بالتأكيد، مرَّت عليكم قصص السندباد البحري الأسطورية التي ملأت كتب التراث من العصر العباسي، قصص خيالية تعكس واقع الهضم والإحباط في تلك العصور والعهود؛ فحملت لهم أحلامهم والرغبة في الانتشال من واقعهم المرير.. يتداولون بطولاته الوهمية في أمسياتهم، يتسامرون بها عن الرجل الخارق الذي بمفرده استطاع أن يهزم قراصنة البحر، ويفتك بالعمالقة، ويترصّد قُطَّاع الطرق وسط البراري والقفار، متتبِّعاً أثرهم، حتى عاد السلام والوئام والأمان في كل أرض يطَؤُها؛ لدرجة أن موج البحر يهدأ، والرياح تسكن، فقط عندما يلامس السندباد برجليه زبد البحر!

أوردت هذه المقدمة، بعد أن رصدت، وقرأت سيلاً من التغريدات والمقالات والمقابلات التي تتأمل من أحد أعضاء مجلس الأمة، والذي اعتبره البعض أيقونة انتخابات 2020 بأنه قادر بعد هذا الزخم والتأييد في الصناديق على أن يكون «سندباد الكويت» البري والبحري والفضائي!

فقد سطّروا المعلّقات من المديح له وربطوا ذلك بالأمل والأماني وتوسّعوا بتحميله على محدودية إمكاناته حتى أصبح البعض يراقب ويتابع كل ما يصدر وينشر ويصرح به العضو، راجين ان تصحح الأوضاع البائسة والملفات المعتمة كلها، كبيرها قبل صغيرها جديدها قبل قديمها!

هذان الرسم والإخراج من البعض لشخصية العضو «السندبادي» ليسا كلهما بريئين، أو انهما يهدفان إلى الإصلاح لعلمهما المسبق بوعورة الطريق ومنعطفاته الزلقة، ولن تكون هذه الشخصية التي يُطلب منها المستحيل قادرة على ضربة عصا موسى (عليه السلام)، لإغراق الفاسدين في البحر! فلا شك في أن هناك أسباباً ومعطيات موضوعية تمنع بزوغ الفجر الجديد؛ منها محدودية القدرات الذاتية والأوضاع السالبة القائمة التي قد تؤدي، ليس فقط، إلى حرق الأمل، بل النكوص الجمعي في حال الإخفاق أو الانجراف. فإن حدث ذلك، وهو المتوقع؛ فالنتيجة ستظهر المجتمع بأكمله في مواجهة مرة أخرى مع الإحباط، وتقبّل الانهزام، ومن ثم الضياع وافتقاد القدوة!

والأمر أراه بديهيا؛ لأن الأمة التي يفترض أنها مصدر السلطات عاجزة عن أن تكون سلطة واعية ومضحية في خياراتها، ولا تجرؤ على اختيار 49 سندباداً آخرين، وتلزم الحكومة بأن تستجيب لها باختيار وزراء «سندباديين» أيضا، وتساهم بتشكيل لجان، تساعد السندباد في مهامه، فهذا مؤكد خيال يفوق خيالات مجتمعات العصر العباسي.

لكن أجمل ما شهدناه هو تصوير «سيلفي» من أحد النواب مع الوزير في مكتبه.. حكايات «ألف ليلة وليلة» واقعية من دون «رتوش»، ولا تضخيم، ولا «فلاتر»!

صحوة يا رجال الوطن.. من أجل الوطن.

عبدالخالق ملا جمعة الخطيب

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking