بات الخليج مطمئنا في الأيام القليلة الماضية، بعد أن شاهد العالم تلك الفرحة التي ملأت ساحل الخليج العربي؛ من سلطنة عمان إلى دولة الكويت، ومرت على عجل إلى العلا، ليكون ذلك المشهد الذي تمناه الجميع أشقاء متعاضدين، وهذا الذي كان وسيبقى.

في كل منظومة يكون هناك خلاف في وجهات النظر، وهذه طبيعة الحياة الدولية، ولكن ما يميز منظومة دول مجلس التعاون الخليجي أن تلك الخلافات تذهب أدراج الرياح منذ القدم بواسطة ما أسميه «البروتوكول العشائري والاجتماعي»، بعيدا عن النزاعات القضائية، فما تحتويه صدور رموز الخليج أكبر وأرحب من أروقة القضاء وجمود القوانين، ناهيك عن السبب الذي أوجد هذه المنظومة، فغالبا تكون المنظمات وليدة حروب ونزاعات كعصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى ومنظمة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن الأمر على العكس من ذلك في منظمة دول مجلس التعاون فقد أوجدها ما يجمع الخليج من عامل التاريخ والمصير، والقربى.

كانت دولة الكويت في هذا الخلاف على درجة متساوية من الجميع مرتكزة على مخزون دبلوماسي وفير، متمثلا في أمير الحكمة الشيخ صباح الأحمد، طيب الله تعالى ثراه. فكان طريق الحياد واستخدام وسيلة من وسائل القانون الدولي، وهي «الوساطة» المبادرة الأكثر أهمية، والمُثلى في المصالحة الخليجية التي تمت. والوساطة تعتبر أسلوبا من الأساليب البديلة لفض المنازعات بحكمة وهدوء ومن دون تكاليف فادحة على الجميع، ويقوم نجاح هذه الوسيلة من عدمه على شخصية وطريقة تعامل الوسيط لتقريب وجهات النظر وتقديم الحلول المناسبة التي يرتضي بها الجميع، والوساطة باعتبارها وسيلة من وسائل القانون الدولي تجد امتدادها التاريخي في اتفاقية لاهاي عام 1907 والخاصة بتسوية المنازعات بالطرق السلمية، كما أن المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة أوجبت على الدول حل جميع المنازعات بطريقة سلمية، كالوساطة. والجدير بالذكر أن عملية اختيار الوسيط ودفعه إلى هذا العمل في تاريخ القانون الدولي ليست بالأمر البسيط ولا المضمون؛ ففي عام 1948 قام مجلس الأمن باختيار الكونت برنادورت، ليكون وسيطا في فلسطين، ولكنه فشل ودفع ثمنا باهظا في تلك المهمة. إلا أن ما يميز وساطة دولة الكويت أنها كانت بصورة تلقائية ومباشرة، بمعنى قيام الشيخ صباح الأحمد بنفسه بالتنقل من عاصمة إلى أخرى لتقريب وجهات النظر والوصول لحل توافقي ومن دون أن يطلب منه أحد القيام بهذا العمل النبيل، ولكنه البروتوكول الاجتماعي الذي يتميز به الخليج وأهله الكرام.

فهد نايف الشمري

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking