أرسل الي أخي ورفيق دربي الحبيب الغالي طارق العيسى (ابوعبدالله) مقالة بعنوان: «هل فقد الفكر السلفي حضوره وتأثيره في المجتمعات العربية؟»، وهو سؤال جوهري، ينبغي على الدعاة إلى الله التفكير فيه بجدية، والتجرد من هوى الحزبية البغيضة التي سيطرت على الكثير من الجماعات السلفية في هذه الأيام، فقاربوا منهج وفكر الاخوان المسلمين كحزب سياسي.

وكي نجيب عن هذا السؤال بتجرد وحيادية ونية خالصة لله تبارك وتعالى، املا في النصح وأن بيان اسباب اضمحلال اثر الفكر مرده مجموعة عوامل، أقول وان استعادة الفكر السلفي لحضوره يعني قوة الدعوة الاسلامية وحضورها وامتداد اثرها.

كانت الدعوة السلفية في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات في ذروة سنامها ووهج عطائها، فكما هو معروف ومعلوم أن الدعوة السلفية قائمة على العلم والعمل، العلم بتوحيد الله بأقسامه الثلاثة (توحيد الالوهية، توحيد الربوبية، وتوحيد الله بأسمائه وصفاته دون تأويل أو تعطيل) كما جاء ذلك في كتاب الله العزيز الحكيم وسنة نبيه صلوات ربي وسلامه عليه وفهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومن جاء من بعدهم من علماء الأمة وسار على دربهم.

وقدر الله أن أعايش الفترة الذهبية من عمر الدعوة السلفية في الكويت، وبدءا من انطلاقة شرارتها وانتشار حضورها، فكانت المساجد تعج بحلقات العلم والدروس النافعة للكبار والصغار، وكان الإقبال كبيرا من أهل الكويت على حضور هذه الدروس النافعة، وحتى الديوانيات الليلية ما كانت تخلو من مثل هذه المجالس العطرة، وكان شباب الدعوة يتوقدون حيوية ونشاطا للدعوة ويبذلون الغالي والنفيس لذلك، وكان الجميع يتسابق بالبذل والعطاء والتضحية، ايمانا منهم بصدق دعوتهم ونقائها، فكان التنافس الحقيقي لخدمة الدين لا لمصالح شخصية او اهداف ذاتية، بل كان شعارهم قول المولى عز وجل «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».

وعلى الرغم من قلة الموارد القائمة على المساهمات الشخصية، ونقص الخبرة، الا ان توفيق الله عز وجل وبركته وبما زرعه من حب في قلوب الناس جعلت الدعوة تساهم بصورة كبيرة بتنمية الفكر الاسلامي واعداد دعاته وحملة لوائه، حتى «المخيمات الربيعية» أو طلعات البر بالربيع والشتاء والبحر في الصيف كانت تعطر بهذه العلوم الشرعية، كما بذل الدعاة والقائمون على هذه الدعوة المباركة جزءا كبيرا من أوقاتهم لطلب العلم الشرعي القائم على الكتاب والسنة والمدارسة في أمهات الكتب والمراجع لعلماء الأمة على أيدي مشايخ الدعوة السلفية في الكويت.

ولم ينس أصحاب هذه الدعوة المباركة العمل العام بما يتضمنه ذلك من خوض غمار العمل السياسي، فجعلوه وسيلة من وسائل الدعوة الى الله لا غاية، حيث كان العمل الدعوي والرغبة الحقيقية في البذل رغبة في الاصلاح هما العاملان الرئيسيان لقوة وانتشار الفكر السلفي، ثم طغى العمل السياسي على ما سواه، واصبح الولاء والبراء للمصلحة السياسية، ثم الشخصية بالطبع تبعا لذلك، وتحول العمل الدعوي من كونه عملا جماعيا لخدمة الله ثم الوطن ليكون جهدا ذاتيا لبعض المشايخ، وأصبحت المساجد خاوية من الدروس والعلم النافع والمعرفة، وحل النقاش السياسي مكان هذه الدروس في دواوين أصحاب الدعوة وتمكن الجدل والخلاف في هدم ما لم يستطع اعداء الدعوة خدشه.

كان من الطبيعي حصول الانقسام والتشرذم المضعف لاي فكر او جماعة اصلاحية، وتمزق الدعوة الى دعاوى يعادي بعضها بعضا، سببه الرئيس طغيان الشأن السياسي على أصالة الدعوة، وأصبح العمل السياسي هو الأصل، وهو من نوالي ونعادي من أجله، وحينما تصبح المصالح الضيقة هي الاساس فالنتيجة المنطقية تمكن الخلاف لحتمية تعارض المصالح الشخصية.

ومما يزيد الحطب اشتعالا، ضعفاء النفس الذين يقتاتون على الخلاف، والحاقدون أو الكارهون للدعوة الاسلامية، ويكفي ان نرى كيف سخر البعض جميع وسائل التواصل الاجتماعى والإعلام لإذكاء هذه الخلافات والانتصار للآراء السياسية، فدب الشقاق والخلاف في ما بينهم، ووصل الى درجة الخصومة والمعاداة ومحاربة بعضهم البعض وأصبحت قضية الولاء والبراءة من مظلة السلفية مرتبطة بمشاكلهم السياسية، واساسا للحكم بالانتماء لها، فتعددت المرجعيات السلفية ولكأن بعضهم يملك أمر الجنة والنار والعياذ بالله.

ختاما، قد اجزم ان العمل السياسي جزء مهم في العمل الدعوي، لكن هيمنته على مفاصل العمل العام أضر بالدعوة واصاب الفكر السلفي بجرح كبير، ولعلها خيرة، فالدعوة السلفية قياسا بمحيطها دعوة ناشئة، ومن الطبيعي ان تتعرض لعثرات، ولعل ما عانته في العشرين سنة الماضية درس لمنتسبيها بأن يصلحوا الاعوجاج، وان يعيدوا تنظيم اولوياتهم وينظروا لاساس دعوتهم وغايتها، ومن السهولة بمكان استرجاع حضور وتأثير الفكر السلفي متى استرد غايته القائمة على الدعوة لله.

جاسم العون
وزير سابق

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking