بعد أن أقسم جو بايدن على أن يؤدي أعماله بكل أمانة بمكتب رئيس الولايات المتحدة، ويحافظ ويحمي ويدافع عن الدستور الأميركي، وبعد خطاب دام إحدى وعشرين دقيقة، تعهد بكل ما أقسم عليه ودعا خلاله للوحدة ونبذ الفرقة وجمع القوى لبناء أميركا، وبعد أن انتهت مراسم التنصيب ذهب موكب بايدن لنصب تذكاري لقبر الجندي المجهول لنرى كيف تقدر الأمم العظمى عرفانا لمن ضحوا لأجلها، أما نحن فإلى الآن نمشي ونقرأ أسماء للشوارع ليس لها علاقة لا بالتضحية ولا بالتاريخ ولا بالعلم ولا بالجغرافيا!! في حين لم نقرأ حتى الآن اسماً واحداً لمن نحسبهم عند الله شهداء، نساء ورجالاً، ممن ضحوا دفاعاً عن الوطن الذي مرت الاحد الماضي الذكرى الثلاثون للحرب الجوية لتحريره.

في قسم بايدن على حماية الدستور وبخطاب تنصيبه وجدنا كل القيم التي تتطلع لها أي أمة، دستورهم الذي تم تعديله سبعاً وعشرين مرة منذ 1787 وحتى عام 1922، بما معناه ان الدستور، ليس كتاباً منزلاً، وليست له قدسية، فنحن لا التزمنا بنصوص الدستور الذي أقسم عليه الكثيرون، ولا عملنا على تعديله لإدخال إصلاحات سياسية نراها حتمية جداً في هذه المرحلة مع الحفاظ على المكتسبات الوطنية وعدم التفريط فيها.

ورغم وجود الدساتير تظل الحكمة هي المظلة التي تستظل بها الشعوب، حتى التي لا تحكم بالدساتير، كبريطانيا العظمى، وكما ذكرنا في مقالنا السابق، الذي كان له صدى واسع، كيف أن حكمة عبدالله السالم قد تجلت في كثير من الأمور حتى قبل وجود الدستور، ومنها عندما أمر أبناء الأسرة الحاكمة الأعضاء بالمجلس التأسيسي نتيجة وجودهم كوزراء بأن يمتنعوا عن التصويت على مواد الدستور، وترك ذلك لأعضاء المجلس المنتخبين ليكون الدستور شعبياً، ولم يكن مجبراً على ذلك.

هذه الحكمة تحلى بها صباح السالم عندما طلب منه حمود الزيد الخالد، الذي كان حينها في أول وزارة بعد الاستقلال 1962، بأن يؤجل أحد بنود جدول الأعمال، وأن تكون قرارات مجلس الوزراء بالإجماع، بحيث تتحقق الحيادية مع وجود ثلاثة وزراء منتخبين فقط، حمود الخالد وعبدالعزيز الصقر ومحمد النصف، جنباً إلى أحد عشر وزيراً من أبناء الأسرة الحاكمة، وذلك عندما خشي الخالد من عدم حيادية الوزراء أبناء الأسرة نتيجة البند الذي طلب تأجيله، ويتضمن طلباً غير عادل تقدم به الشيوخ، فوافق بحكمته صباح السالم على طلب الخالد ولم يكن مجبراً على ذلك أيضاً!

وكذلك هي الحكمة إذا ما تبادلها الشعب والمعارضة والقيادة، كما حدث أثناء الغزو وبعده، والتي تجسدت في مؤتمر جدة، وهو ما جعل جابر الأحمد يشكل أول وزارة بعد الغزو بوفاق وطني محض، تسامى فوق كل الخلافات التي أدت إلى إلغاء الدستور وإنشاء المجلس الوطني ودواوين الإثنين.

إن هذا النوع من حكمة التوافق الوطني قد تجسد في سابقة تاريخية أخرى، تمر ذكراها الخامسة عشرة اليوم من عام 2006 حين صوت مجلس الأمة بالإجماع على إعفاء أمير الدولة سعد العبدالله الصباح من منصبه، لعدم قدرته الصحية ونقل السلطات الأميرية لمجلس الوزراء، الذي سمى رئيسه صباح الأحمد أميرًا ورفع التسمية لمجلس الأمة لعقد جلسة المبايعة. كما يمكننا القول إن قرار تنحية أول رئيس وزراء في العهد السابق عام 2011، يتحلى بالحكمة أيضاً، اثر الاستجابة لنزول أكبر تظاهرة في تاريخ الكويت السياسي بما يقارب السبعين إلى تسعين ألف مواطن إثر قضايا فساد كثيرة، منها الإيداعات المليونية.

وهنا نتوقف لنؤكد أن هذه المرحلة تتطلب كثيرا من الحكمة التي على الحكومة وقيادتها التحلي بها، حتى وإن تجاوزت نصوص الدستور والقوانين والأعراف، فالانتخابات الأخيرة قد جسدت استجابة الشعب للنطق السامي، رغبة منه في الإصلاح الذي على النواب أن يذهبوا إلى أبعد نقطة فيه، وإن تطلب ذلك تعديل الدستور بما يضمن مزيداً من الحريات تكون فيه السيادة للأمة مصدر السلطات جميعاً، لذلك نقولها لرئيس الوزراء الذي نعقد الأمل على عودته، إن سمو الحكمة يعلو فوق كل شيء لما فيه مصلحة الأمة ويعلو الدساتير وإن تطلب تعديلها.

*

إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

بدر خالد البحر

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking