الغضب كان عنوان ونتيجة الانتخابات الأخيرة، فقد عبّر الشعب عن غضبه عبر صناديق الانتخابات بشأن الأوضاع السيئة التي وصلت إليها البلاد داخلياً، غضبه هذا تجاوز سوءات الصوت الواحد، وتجاوز المال السياسي، وتجاوز بعض الأسماء اللامعة انتخابياً، بل تجاوز خطر «كورونا»؛ فالخطب في البلاد أكبر من الوباء نفسه، لقد عبّرت النتائج الانتخابية عن صرخة عالية وحادة عنوانها: كفى تراجعاً، كفى فساداً، كفى سوء إدارة.

لا تلوموا الشعب على غضبه وشرهته، ولا تلوموه على انتخابه واختياره التصعيد السياسي والبرلماني، ولا تلوموا أيضاً غضب أي شاب يرى أن مستقبله ومستقبل بني جيله ضبابي، ولا تلوموا غضب التاجر الذي ينقل تجارته إلى الخارج حيث الفرص أكبر بكثير، ولا تلوموا غضب أولياء الأمور إذا ألحقوا أبناءهم بالمدارس الخاصة؛ فالمدارس الحكومية لم تعد صالحة، ولا تلوموا الناس إذا تراجعت ثقتهم بعدالة وجدية ونزاهة مؤسسات الدولة!

اللوم والعتب والشرهة بحق تقع على الحكومات المتعاقبة التي لم تحقق طموحات الشعب الكويتي ولم تف بوعودها في تنفيذ برامجها وخططها والتزاماتها تجاه قضايا الدولة والمواطنين، اللوم على تلك الحكومات السابقة التي رأت الفساد يتمادى وأخذت تتفرج عليه، بل إن بعض أفرادها شاركوا فيه، الشرهة الكبرى على الحكومات المتعاقبة التي بيدها ساهمت في تقليص ثقة الشعب بها.

ارتفاع حالة الغضب والإحباط العام في المجتمع يعد حالة مرضية تؤثر سلباً على مسيرة وتنمية المجتمع، ولهذا فإن السؤال الأهم: كيف نعالج حالة الغضب لدى الشعب؟ كيف نعيد بناء جدار الثقة بمؤسسات الدولة؟ وبالأمانة تلك الأسئلة ليست سهلة أو بسيطة، فحتى يتراجع منسوب الغضب ويصدق الناس جدية القائمين على الأمر فإن العلاج يتطلب كماً هائلاً من العمل الصادق الجاد والملموس، فالناس لن يهدأوا حتى يروا مصداقية أكبر في الأداء الحكومي العام. ولتحقيق ذلك، ولبناء جدار الثقة مع السلطة الحكومية، فإن على السلطة الحكومية المبادرة بالقيام بخطوات أولية تالية:

- إقرار قانون بضوابط جادة ومحكمة في تعيين القياديين في الدولة.

- استكمال حزمة تشريعات محكمة لمنظومة مكافحة الفساد (إقرار قانون تعارض المصالح، تحديث قانون المشتريات والمناقصات.. إلخ).

- اعتبار التعليم وتطويره قضية الكويت الأولى. وتكليف من هم أهل لتولي هذا الملف وفق رؤية وطنية في هذا الشأن.

- إصلاح وتطوير وحوكمة جهاز القضاء فى الدولة.

- إقرار المصالحة العامة وتجاوز ملفات الخلاف السياسي السابق.

- إقرار قانون انتخابي جديد يحقق العدالة جغرافياً، ويقوم على فكرة القوائم والبرامج الانتخابية.

- وضع نظام قانوني جديد وعادل لأملاك الدولة يشمل كل قطاعات الدولة.

- اعتماد قواعد الحوكمة والإدارة الرشيدة في مؤسسات الدولة.

ما سبق خطوات أولية يسبقها حسن اختيار قيادة حكومية لديها الفهم والخبرة والرغبة وحسن الإدارة لتحقيق ما سبق وأكثر، ومن شأن ذلك خلق فرصة أكبر لتحقيق استقرار شعبي واحتواء حكيم لحالة الغضب لدى الناس، وكذلك توجيه الطاقات والمشاعر الشعبية نحو التنمية والتقدم.

د. محمد حسين الدلال

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking