فى مراحلَ غير بعيدة، وبالرجوع إلى تاريخ الصراعات والتجاذبات في شبة الجزيرة العربية، سنلحظ أنها مرّت بالكثير من المشاهد المتنوّعة، وبلا شك كانت تحكم المكسبَ أو الخسارة في هذه الصراعات عواملُ متعددة؛ منها عوامل طبيعية، مثل عدد المقاتلين وعتادهم وقوتهم، ومنها عوامل لا مادية (غيبية) أو (متخيّلة) كـ«البخت» أو (التوفيق والحظ)؛ لذا فالخروج دوماً مع «البخيت» أو «حُسن الطالع» سيكون مرحّباً به في أغلب الأحوال، وهذا السبب «اللامادي أو الغيبي» كان يأخذه الكثيرون من المقاتلين من أبناء القبائل بمحمل «الجد»؛ وذلك لسبب بسيط، وهو أن حياتهم ستكون في الحالتين، سواء مع «البخيت» أو مع «المشؤوم» على المحك.

نحاول اجتزاء مقطع من هذا المشهد لسحبه على واقع الحال الحكومي اليوم، والذي شكّلت طبيعية الحال فيه مشهداً متشابكاً لدرجة معقّدة؛ إذ نرى ـــ على سبيل المثال ـــ سهام التشكيك توجّه للبعض (من سرق شهادته العلمية) والبعض (من عرف بطروحاته العنصرية) أيضاً، الاتهام بأن هناك شخصيات حكومية لا تصلح أو غير جديرة بالتوزير، الظن الغالب برأيي أن كل ذلك ــــ يصبح مفهوماً ــــ في نفس إطار المشهد العادي أو «الطبيعي»، لكن في هذا المشهد (المستحضر أو المجتزأ من الماضي) قد يصبح التساؤل هو: هل في الحكومة الرشيدة «بخيت»، أو على قولة البدو من «ينغزا معه»؟

في الواقع، نالت السياسة الخارجية الكويتية شهرة وحيزاً كبيراً من حيث حجم التوفيق والنجاح والتقدير المجتمعي. كان للشيخ صباح الأحمد - رحمه الله - دور كبير في صياغة هذا المشهد، ومن خلال منطلقات عميقة مرتبطة بتجذّر وعمق التجربة الكويتية التاريخية وتوازناتها، تولّى رعاية هذه التجربة الاستثنائية وجوه مميزة، كان من بينها الشيخ د.محمد صباح السالم (الذي صنع هو الآخر ممرّاً ومكانة مميزة للدبلوماسية الكويتية) استحق معها هذا التقدير الذي يكنّه له الكثيرون من أبناء الكويت. أخيراً، وليس بآخر، قدّمت لنا «الحكومة المستقيلة حالياً» وزيرَ خارجيةٍ شابّاً وطموحاً ومتحدّثاً لبقاً، لكن الأهم من هذا كله أنه «بخيت» أو «موفّق»، وربما من حُسن طالعه أن أعقد مشكلة ـــ أو «صراع» ــــ واجهت دول مجلس التعاون جاء حلها على يديه هو «كممثل للدبلوماسية الكويتية».

الغريب أن هذه الشخصية (الشابة)، وفي عُجالة، ومن دون مُفردات أو مسوغات مقنعة، بدأت تتعرّض لهجوم من عضو مجلس الأمة (النائب شعيب المويزري)، وإن كان من المؤكد أن الانتقادات للحكومة أو للوزراء أمر طبيعي من (نواب المعارضة). لكن، أليس من الغريب أن يكون المُعارِض الذي يجابه وزيراً يتمتع بقبول عام، ولم يعلن عليه مخالفات جسيمة تستدعي عدم توزيره أن يكون «خانه التوفيق»؟! في ظل ما نراه من أدوار تتحدد وتتوزّع نرى أن الوزير «بخيت»، وأن النائب «غير موفّق»، وصل لحد التجاهل وعدم الاستحسان الشعبي، بل والتشكيك من البعض في دوافع النائب ودعواه.

بالعموم، ليس من مهمة الكاتب الدفاع عن الحكومة أو شخوص وزرائها، وقد أكون الأبعد «مناسبة» عن هذا، لكن ما سقته ليس دفاعاً عن الوزير، بل صيانة للمعارضة، حديثي هنا تحديداً يهدف إلى حماية «المعارضة» نفسها، وليس أحد أفراد الحكومة، إن وقوع النائب (المويزري) أو أي شخصية تُحسب على «المعارضة» في مسألة شغل الشعب وتبديد طاقاتها وطاقاته في مشاهد غير موفقة خاصة تجاه شخصيات (تحسن العمل وتجاربها أثبتت ذلك) مدعاة للتحذير، وأمر يُعجل من خروج المعارضة من دائرة اهتمام المواطن. وهو ما لا نتمناه.

النقد البنّاء يكون عن طريق طرح دقيق وأدلة ملموسة وإشكالات حقيقية، وليس مجرد رغبات أو صيغ ورؤي «فرمانية» بأن هذا الوزير «مرفوض» أو لا يصلح للعودة، أو حتى يجب أن يعود، إن احتياج المعارضة للشعبية واقتناع الشارع بأهدافها ورؤاها أهم بكثير من احتياج الحكومة للأمر نفسه؛ لذلك واجب كل نائب أن يطرح ويوضح، لا أن يعلن ويضغط من دون قاعدة شعبية، تحمي وتؤازر؛ فمثل تلك الدعاوى ربما تستخدم بصورة عكسية، بل لربما تُفسَّر على النقيض «أنها لأسباب شخصية».

من المهم أن تمتلك الكويت معارضة قوية، تستطيع إيصال رسائل الشعب وتوقف أي نهج حكومي خطأ تجاهه، في الوقت نفسه. وفي المقابل من ذلك، على المعارضة أن تلزم نفسها طرحاً منطقياً ومقنعاً للمتلقّي. إذاً، دورنا هنا أن نستمر في نقد المعارضة إذا وجدنا في سلوكها اعوجاجاً؛ لأننا «نريد حمايتها»، لكي تستمر هي في «حماية الشعب»، وتقويم سلوك الحكومة.

قد تصبح مفهومة الآن العودة لما سقناه في مقدمة المقال؛ إذ قلنا من التوفيق أن ينتقدك «نائب»، ولا يمتلك قدرة على إثبات ما يقول، أو يشرح رؤيته، على أقل تقدير، في ما يذهب له، المهم أن مقولة البدو تثبت صدقيتها (اليوم) إذا رددنا كلماتها التي تقول «إذا غزيت، خلك مع بخيت؛ لأن حتى خصيمه يضيع الطريق».

أ.د. عبدالهادي العجمي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking