«كل الأمور إلى صلاح».. تلك عبارة نتمنّاها، ونرقبها في كل حين، وفي كل ميدان، لعلّ الوطن يتخلّص من عوائق تحول دونها. ومن يرقب الساحة يجد فيها زخماً من أدعياء الوطنية الذين تمرّسوا في إطلاق الوعود، من خلال طروحاتهم، وكأن الوطن في حاجة إلى أفكارهم غير المنطقية، ووعودهم الكاذبة، والغريب أن منهم من يحمل رتباً أكاديمية، درس قبلها في أعرق الجامعات الأوروبية والأميركية، لكنّ ذلك لم يغيّر من مبادئه، التي يعتقدها قيد أنملة.

تكريس القبلية والطائفية والعائلية واقعاً، جعل الكويت ترزح زمناً ليس بالقصير، بتنا فيه لا نفقه هوية الوطن الحقيقية التي تدفع به قدماً في مصافّ الدول المتقدمة، خاصة أننا نُعد بين الدول التي تملك ثروة نفطية هائلة واحتياطيات مالية، لو أُحسن استغلالها على نحو موائم لكانت مؤنة خير.

في اعتقادي أن أصل الداء ما وصل إليه الحال من تغيير للتركيبة السكانية، التي ولّدت جيلاً، لا ينتمي أصالة للجيل الأول، الذي تمتع بالفضائل وإنكار الذات والبذل من دون مقابل، وإنصاف كل ذي صاحب إتقان، فهذا الجيل الجميل خطَّ بأحرف من نور لأوائل رواد الديموقراطية الحقة. أما الجيل المستزرع حديثاً، الفاقد الهوية الوطنية، فهو يستمرئ أولاً العودة لذكرى الماضي، بدعوى أن لكل زمانٍ دولةً ورجالاً، وهذا محض افتراء يراد به قطع روابط الأجيال ونكران فضلها، وأخيراً يريد أن يكرِّس واقعاً جديداً، قوامه الانمتاء القبلي أو الطائفي.

في ظل التركيبة السكانية التي غيَّرت رسوم المجتمع الكويتي، فإن الناظر يرى الاصطفاف القبلي السائد، ثم الاصطفاف الطائفي، ثم الاصطفاف العائلي، وكل هذه المكوّنات، وإن كانت رائجة في العصر الحديث، فإن هذا الاصطفاف آخذ في الازياد على نحو مطرد على الجميع، الأمر في نهايته يُنذر بتحول كل إدارات الوزارات والمؤسسات الحكومية لسلطان لهذا الاصطفاف، الذي يقوّض أركان الدولة المدنية التي ترمي إلى ذوبان المكوّنات في بوتقة واحدة، هي حب الوطن وإنصاف كل أبنائه من دون التفات إلى أي اعتبار آخر يحول دونه.

الجيل الحالي يكاد يفقد هويته الحقيقية، في ظل تغيير التركيبة السكانية، والأمر الذي يجب الالتفات إليه حقيقة هو إعادة النظر في من يتقلّد منصباً قيادياً وزارياً، أو في مؤسسة خاصة أو غيرها، لا بد أن يخضع لمعايير رقابية صارمة لضمان إنصاف من يكون تحت سلطته من أبناء الوطن، وبما يحقق الرضا الوظيفي للجميع. والمؤمل أن يحاكي التشكيل الوزاري الجديد هذا التوجّه الإصلاحي الذي يعيد الأمور إلى نصابها، ويعيد إلى نفوس أهل الكويت بهجتهم وقيمهم الأصيلة.

ذوبان المكوّنات في بوتقة الوطن يحتاج صرامة في التطبيق، فماذا عسانا أن نتلمس من عدالة إذا ما جاء أحدهم من انتخابات فرعية أو تشاورية، أو طائفية وأخذ على نفسه أمام أبناء قبيلته أو طائفته الأيمان المغلظة بتعيينهم في مختلف الوظائف الحكومية ومؤسساتها، تجاوزاً على غيرهم من أبناء الوطن.

نقول، وفي قلوب حسرة، إننا بتنا نفقد شفافية الطرح، وحسن أداء العمل، وما تكشفه الأيام عن الفساد الإداري والمالي، وشراء الذمم، أمر يقلق الجميع، ويجعلنا جميعاً أمام مسؤولية جسيمة في صدق التوجّه، واستحضار وسائل الإصلاح، والسير بجدية وفق نهج سديد حماية للوطن، وصيانة لمقدّراته، تحقيقاً للعدالة المنشودة لأبنائه.

د. سعود محمد العصفور

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking