هل يفقد الأدب نصف قيمته عندما يُترجم؟

إبراهيم الحُسيني

غالباً ما يوجه الأدب إلى بيئته، فالعالم الاجتماعي الشهير أرنولد توينبي يقول إن الإنسان ابن بيئته، ولذا فهو طوال مسيرة حياته يأخذ منها تارة، ويُعيد ما أخذه تارة أخرى، ولكن في صور فنية أخرى تتعدد مفرداتها، أحياناً تكون المفردة قلماً ومجموعة من العوالم الخيالية المصنوعة بدقة وعناية شديدة، أو تكون فرشاة وعوالم مختلطة من الألوان، أو قطعة حجر أو صلصال، أو... لكن في كل هذه الحالات، تمنح البيئة الخيال والثقافة والوعي للكاتب، ويمنحها هو جمالاً يُعيد به صياغتها مرّة أخرى في بنايات من الأخيلة والرموز.

إذاً هناك علاقة تبادلية ومغلقة بين الكاتب ومجتمعه، تصل في بعض تفسيرات علم النفس إلى وجود ما يُسمى بالفنان الافتراضي، أي ذلك الهاجس الذي يتنامى داخل الفنان ويجعله يقوم بصناعة عمل فني وفق احتياجات الجمهور داخل مجتمعه، وهذا النزول إلى رغبة المجتمع الذي يقوم به الفنان هو ما يُسمى المبدع أو الفنان الافتراضي، وتنازل المبدع عن بعض قناعاته لكي ينتج فناً يرضى عنه الناس داخل مجتمعه هو أن يمنح هؤلاء الناس فرصة المساهمة كشريك ولو بنسبة ضئيلة في عملية الإبداع...

وترجمة الأدب المكتوب كقصة، شعر، رواية، مسرح... تعني في أبسط صورها نقل لغة الكتابة الأصلية إلى لغة أخرى حتى يستفيد الجمهور منها في مكان آخر من الأرض، وهذا الانتقال للأدب من لغة إلى أخرى يعني أيضاً انتقال الأفكار والرموز التي كانت في الأصل تخص مجتمعاً ما، هو مجتمعها الأول، وتم التعارف عليها من قبل ذلك المجتمع، ولها معان محددة، قد تختلف تلك المعاني في مكان آخر، فماذا على المترجم في هذه الحالة أن يفعل...؟ هل ينقل كل شيء كما هو...؟ أم ينقله بتصرف يناسب مجتمعه هو كمترجم..؟

أمانة شديدة

تلك إشكالية بسيطة من إشكاليات كثيرة ومـُعقدة لفعل الترجمة، والذي يُـعد فعلاً إبداعياً كاملاً وموازياً لفعل الإبداع الأصلي، وعند الإجابة عن مثل هذا السؤال المطروح نجد أن أهم مترجمي العالم العربي ينقلونه من لغاته المختلفة إلى العربية في أمانة شديدة، ولهذه الأمانة في الترجمة وجهان أولهما يختص بكون الترجمة إبداعاً شروطه هي المعرفة العميقة للمترجم ليس باللغة وحدها، وإنما بثقافة الدولتين، تلك الأولى التي خرج الإبداع منها، وهذه الثانية التي توجه إليها ترجمته، وبذا يتسنى له معرفة ما خفي من رموز في اللغة، وقدرة على تفسير حركة اللغة، والأشخاص وشبكة علاقاتهم، إذا كان الأمر يتعلق بالقصة أو الرواية، أو معرفة عادات الخيال وظروفه والتشبيهات الجمالية ومواطن الرمز إذا كانت الترجمة تتعلق بالشعر.

والوجه الثاني، وهو ما نجده كثيراً في ترجمات البعض، وهو هذا النقل الحرفي من لغة الأصل إلى العربية، وفيه يفقد الأدب ما يزيد عن قيمته، وهذا ما يُـفسر إعجابك كقارئ بترجمة وكرهك ورفضك لأخرى، فعند قراءتك لشكسبير، ماركيز، باموق، دان براون،.. فأنت تبحث عن ترجمة بعينها قيل لك إنها الأفضل، أو ارتحت أنت إليها من تكرار تجاربك مع قراءة الترجمات.

وعي المترجم

وإذا ما أخذنا مثلاً حركة شارة اليد في بلد ستجد لها معنى محددا، بالتأكيد سيختلف هذا المعنى في بلد آخر برغم ثبات الإشارة، وترجمة هذه الإشارة إذا وردت في رواية كيف يتم التعامل معها..؟ لابد أن يبحث المترجم عما تعني هذه الإشاراة في مجتمعها الأصلي داخل الرواية وداخل البلد الذي أنتج هذه الرواية، ويجد المقابل الصحيح والمؤدي للمعنى نفسه عند الترجمة.

ليس الأمر عملية معقدة، ولكنه وعي خاص وثاقب من المترجم، وعي بعـدّة أشياء مجتمعة، باللغتين، بالثقافتين الأولى المنتجة للعمل والأخرى المُترجم إليها، وبشروط ومتطلبات النوع الأدبي الذي يعمل داخل نطاقه، وذلك حتى لا نفاجأ بترجمات آلية تشعر وأنت تقرأها أن من ترجمها هو جهاز كمبيوتر مُزوّد بأحد برامج الترجمة وليس إنساناً مُبدعاً يتميّـز بالوعي وبطرق التفكير الجانبي، وتلك القدرة الكبيرة على الخيال.

* كاتب وناقد مسرحي مصري

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking