انغمار برغمان رائد الروائع السوداوية

إنتصار الغريب

اشتهر قبل موته مخرجا مبدعا ورائدا طليعيا للأفلام السوداوية الانقباضية ولاحقا للأفلام الاجتماعية. منذ ولادته كان برغمان يعيش هاجس الخوف من المجهول وفي صراع دائم مع الوجود وقضايا الإنسان، التي هي في رأيه خاسرة رغم المتع التي يجنيها الأفراد في حياتهم اليومية، مخرج تشاؤمي لم تثره الأمكنة البراقة والجوائز اللامعة.

في مطلع الستينيات من القرن الفائت تركزت أعماله حول صراع الإنسان مع معتقداته وأفكاره، ولا يغيب عن الأذهان بأن المخرج ينحدر من أسرة بروتستانتية تميزت بالمحافظة على التقاليد والأعراف الدينية، لكنه لم يمارس تلك الأفكار سينمائيًّا إلا في عمر الرابعة والأربعين، مبتدئا بفيلم «ضوء الشتاء»، مصورا أن ملحمة الحياة زائفة بالتأكيد وإن حاول البشر تكثيف الرتوش على قصصهم الحالمة.

في مطلع السبعينيات اتجه برغمان نحو إخراج الأفلام التي تصور العلاقات الاجتماعية المتشابكة، ومن أشهرها فيلم «مشاهد زواج» سنة 1973 الذي عرض مسبقا على هيئة سلسلة تلفزيونية، تحولت الى فيلم سينمائي لاحقا، يصور الانحطاط المأساوي لما يسمى بالفرضية الفائقة، إن نظرة برغمان متشائمة للمستقبل، ولاقى الفيلم نجاحا كبيرا لحاجة المشاهدين في ذلك الوقت لتلك القصص الحالمة، في الوقت الذي انتشرت فيه أفلام الموجة الجديدة والعالم يعيش مرحلة الحرب الباردة والصراعات الخفية.


سوناتا الخريف

ثم أخرج فيلمه الشهير «سوناتا الخريف» عام 1978 حيث تصطدم عازفة بيانو طموحة مع ابنته، تتوالى المشاهد حتى تصل إلى الذروة في حوارات متميزة، والجدير بالذكر أن إحدى زوجاته وتدعى كاسي كانت هي الأخرى عازفة بيانو ماهرة، بعد سلسلة علاقات غير ناجحة وخمس زيجات فاشلة أثمرت تسعة أحفاد، من أشهرهم لين ابنة الممثلة ليف أولمان وتعمل حاليا كاتبة، كما يعمل أربعة من أولاده في حقل الإخراج السينمائي والتمثيل. في سنواته الأخيرة دهمه الإحباط من حياته الزوجية القصيرة التي تكللت بالفشل وتوثقت علاقته بأولاده بحثاً عن الراحة والأمان.

بعد تلك الموجة من الأفلام والكتابات المتعددة، لم تتوافر قصص تلائم مستوى برغمان بالجودة وطريقة الابتكار والخلق نفسها، وتصنع قاعدة جماهيرية عريضة ناجحة مثل فيلم «سوناتا الخريف» وغيره، حيث تميزت أفلامه بالسكون القاتم، الحوارات الصعبة، الرموز الداكنة، حيث التشاؤم هو النغمة السائدة. ورغم أن الجمهور وقع في سوء فهم شديد على مدى سنوات طويلة عندما نعتَ الكثير من النقاد برغمان بالجنوح الى القتامة والسوداوية وفقدان روح الدعابة والمرح، لكنه في حقيقة الأمر كان يتمتع بنوع من المرح الرفيع المستوى، لكنه من النوع الذي يفهمه السويديون فقط. الذين عاش وسطهم لزمن طويل كما يقول أحد النقاد.

الصورة القاتمة

أما موجة المخرجين السويديين الشباب فليسوا متفقين مع برغمان من حيث تناول الأفكار السينمائية التي تميل الى السوداوية، وخصوصا الصورة القاتمة التي أطّر فيها السينما السويدية لسنين طويلة، مثلما يشعر الأسبان بالمقابل في ظل المخرج «ألمودوفار». رغم أن شخصيات برغمان كانت تعاني من تصوير الجماليات المطلوبة للقصة لكنه صور التراجيديات بحلة جديدة أصبحت ملازمة لأفلامه. لكنه يعتبر أول من أخرج السينما السويدية من عزلتها بعد الحرب العالمية الثانية، فصور فترات الازدهار وفي الوقت نفسه صراع الإنسان السويدي من أجل السعادة والحظ، وكذلك وقف دائما الى جانب المرأة في جميع أفلامه، مصورا النساء على أنهن مخلوقات فاتنات ومثيرات للاهتمام.

فاني وألكسندر

اشتغل برغمان مع مجموعة من الممثلين وكتب سلسلة مسرحيات لا تحصى، وتطورت أفلامه الاجتماعية في مطلع الثمانينيات، ومن أشهرها فيلم «فاني وألكسندر» عام 1982 ويعتبر آخر أفلامه بعد عودته الى السويد قادما من مدينة ميونخ التي عاش فيها تسع سنوات. ومن نوع السير الذاتية القصيرة يعود فيه الحنين الى أيام الشباب حيث ألكسندر الصغير يعاني لوعة وعذاب زوج أمه الغاضب، وهو أسقف كنيسة غريب الأطوار ثم يقرر الهروب لاحقا الى عالم المسرح. وحصل على جائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي في ذلك الحين، عام 1997 حصل على جائزة السعفة الذهبية عن أفلامه الطويلة. لكن المعلم السويدي لم تفارق شفتيه حلاوة السينما. عام 2003 بعد توقف دام سنوات عاد بفيلم «رباط سارة» وهو تكملة لفيلم «مشاهد زواج» الذي أخرجه في السبعينات.

قبل وفاته بفترة وجيزة فوجئ برغمان بصدور رواية غريبة تحمل عنوان «مخرجون» للكاتب الكسندر أندوريل، وتتراوح بين الحقيقة والخيال خصوصا حول فيلمه «ضوء الشتاء» حيث يغوص الكاتب في أعماق شخصية المخرج، وكذلك علاقة برغمان بأبيه وصراعاته الدائمة مع الممثل جونر بيورنستراند.

إن مشاهد أفلامه ستبقى عالقة في الأذهان لعشرات السنين أملا في ظهور أسطورة جديدة تذكرنا بتجدد الأمل في القلوب التي خمد فيها.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking