بالرغم من أن سبعين عاماً تقريباً تفصل بين ما قالته جدتي لوالدي، وما ورد على لسان صيدلانية معروفة في كليب انتشر على الواتس أب، فإن الفكرة والمضمون والمنطق واحد، مع كل ما شهده العالم على مدى هذه الفترة الطويلة نسبياً من تطور وتغير وتقدم علمي وطبي عظيم وخطير.

***

أتذكر عندما كنت صغيراً، أن المدارس كانت تخلو من الطلبة في الأيام التالية لإعلان الحكومة عن نيتها إعطاء الطلبة طعماً ضد وباء كشلل الأطفال. فقد كانت نسبة كبيرة من الأهالي، وغالباً البسطاء منهم، مسكونون (وما زالوا) بالشك والخوف مما تفعله الحكومات، وإيمانهم بنظرية المؤامرة الدفينة في عقول السذج، فكانوا يمنعون أبناءهم من الذهاب إلى المدرسة كيلا تعطيهم «السلطات» أمصالاً أو حقناً وتكون لها آثار جانبية، أو تؤثر على خصوبتهم أو ذكائهم.. ويا لها من خصوبة وعبقرية!

وأتذكر الخلاف الذي كان ينشب بين والدي، الذي كان منفتحاً على عصره، لأنه كان يقرأ الكتب بنهم، وجدتي التي كانت تحذره من السماح لنا بالذهاب إلى المدرسة، وتلقي التطعيم، وكنت بطبيعتي الشقية، أتمنى أن ينتصر رأيها لأبقى في البيت وألعب في الشارع مع غالبية الأطفال الذين منعتهم أسرهم من الذهاب إلى المدرسة.

***

تقول الصيدلانية المعروفة، وفي يناير من عام 2021 من القرن الحادي والعشرين، بأن علينا عدم أخذ اللقاح المضاد لوباء الكورونا، وان «النطرة زينة»، أي من الأفضل الانتظار، وأن ما يقال عن عدم تفاعل اللقاح مع ما يتناوله البعض من أدوية غير صحيح (هكذا!)، وأن اللقاح لم يتم اختباره بصورة كافية وأُقرّ على عجلة، لأسباب مادية، وتصف كلامها بـ«العلمي السليم»!

ما قالته الصيدلانية في الكليب كلام فارغ من بدايته إلى نهايته، مع إصرارها على التذكير بخطورة وسائل الإعلام وضرورة معرفة ما يقال وينشر فيها، ومع هذا لم تتردد في المشاركة وتشويش فكر متابعيها، وخلق حالة خطيرة من الهلع غير المبرر لديهم، وخاصة المترددين منهم من أخذ اللقاح، بحجة أنه لم يجرب ولم يتم التأكد من عدم تفاعله مع الأدوية الأخرى!

***

كلام هذه الصيدلانية، وغيرها من المشككين، جريمة في حق المنطق والطب والعلم والمليارات التي صرفتها الدول المتقدمة على التجارب المختبرية والعلمية، التي أدت في النهاية إلى إقرار عدد من الأمصال المضادة للكورونا. كما أنه إهانة بحق عقل وتضحيات مئات آلاف العلماء والبسطاء الذين شاركوا في تجربة اللقاح على أنفسهم، مخاطرين بصحتهم لإنقاذ البشرية، بمن فيهم هذه الصيدلانية.

***

لا أدري متى نستحي ونتوقف عن الخوض فيما لا نعرف، وأن نثق بالعلم والطب. فكيف نقبل بكل طيبة نفس تسليم أجسادنا، إن مرضنا، لمباضع الجراحين وتخدير المخدرين، ليعيثوا فيها ويقطعوا ويوصلوا ويبدلوا ما شاء لهم، ثم نأتي ونحذر الآخرين من أخذ مصل، استغرق إقراره شهوراً طويلة، مات خلالها الملايين من الوباء، ونكرر بكل برودة أعصاب وبابتسامة سخيفة وتصريح أكثر سخافة بمثل ذلك الكلام، معرضين حياة الآلاف، ومنهم أحبة وأقارب، لخطر محقق لأنهم صدقوا تصريحاً غير مسؤول؟.

أحمد الصراف

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking