يعتبر التعليم البوابة الحقيقية لارتقاء الأمم، والعتبة الأولى التي تبنى عليها التنمية المستدامة، وصولاً إلى تحديث الدول والمجتمعات وتحقيق نهضة حقيقية قائمة على التنمية البشرية، وعلى ثروة العقول التي تعتبر ثروة الأمم الحقيقية في عالم بات يعتمد على اقتصاد المعرفة والمعلومات، والتكنولوجيا الحديثة في وسائل البناء والإدارة.

ومن هذا المنطلق يبدو واقع التعليم في الكويت بائساً إذا ما قارنا مخرجاته بمخرجات الدول المتقدمة، الأمر الذي يحتم علينا جميعاً أن نضعه في قمة أولوياتنا، فتطوير التعليم عملية مستمرة تحتاج أولاً إلى تحصين القرار التربوي، خصوصاً فيما يتعلق بتطوير المناهج وتطوير العملية التعليمية، وتغيير السلم التعليمي، وحل المشكلات الإدارية، بما في ذلك التعيينات الإشرافية والقيادية في وزارة التربية والتعليم.

إن عملية تطوير التعليم والارتقاء به لا تتم من خلال قرارات ارتجالية، تتبع الظروف المتغيرة كرد فعل على هذه الظروف، أو تتعلق برؤى أفراد وأشخاص تتغير مع تغيرهم، بل تحتاج إلى إجراء دراسات أكاديمية وتربوية مستفيضة تقف على حاضر التعليم ومشكلاته وتحدد المعوقات لتذليلها، والسبل التي يجب اتباعها، وآليات تطوير المناهج، وسبل التطوير الإداري، للوصول إلى خطط علمية وعملية يتم على أساسها تحصين القرار التربوي وإبعاده عن المتغيرات السياسية والظرفية، وإيقاف التدخل السياسي في الشأن التربوي، الذي كانت له آثارٌ سلبية مدمرة على عملية التعليم في الكويت.

لم يعد تطوير التعليم في الكويت مجرّد شعار أو خطط مستقبلية توضع في أدراج الحكومات المتعاقبة، بل عملية ملحّة يستدعيها ويفرضها واقع الحال، ومن الضروري في هذا الجانب دعم وتفعيل المركز الوطني لتطوير التعليم الذي أنشئ في عام 2010، بصفته مركزاً وطنياً مستقلاً، بحيث يكون من أولوياته دراسة تجارب الدول الرائدة في هذا المجال كسنغافورة وماليزيا واليابان وغيرها، والاقتداء بها ونقل خبراتها للوصول إلى تحديث شامل للعملية التعليمية خلال وقت قياسي، وإلا فإن كثيراً من جهود التنمية قد لا تصل إلى أهدافها، لأنها ببساطة قد لا تجد الإمكانات البشرية الكافية لاستثمارها، وهو مأزق وقعت فيه كثير من الدول وتأخرت خططها وبرامجها التنموية بسبب ضعف الإمكانات البشرية والعلمية اللازمة لتنفيذ هذه الخطط وتشغيلها والبناء عليها.

إن استقلالية التعليم والمؤسسات التعليمية عامل أساسي من عوامل تطورها المستمر، وجميعنا يعلم عراقة وقوة الجامعات والمؤسسات التعليمية في الدول المتقدمة، فدولة مثل بريطانيا لا تستطيع كل المتغيرات الظرفية والصراعات السياسية أن تتدخل في أي من جامعاتها، ولا يمكن لأي من اللاعبين السياسيين أن يتدخل في أي من قراراتها، أو في خطط التطوير الثابتة التي تسير وفقها العملية التعليمية ككل، بما في ذلك البحث العلمي وميزانياته، وهو ما يعطي هذه المؤسسات قوتها وعراقتها، ويجعل مخرجاتها رائدة ومطلوبة في دول العالم كافة، وهو ما يشكل كلمة السر في ريادة هذه الدول وتفوقها المستمر.

***

كاتالست «مادة حفَّازة»

دولة تهتم بالتعليم + مجلس يدعمها = جيل واعد

د. حمد محمد المطر

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking