«العُث وكل أنواع الكائنات القبيحة تحومُ حولَ الشمعةِ المُنيرةِ، هل للشمعةِ ذنبٌ في هذا؟» - تشارلز ديكنز

في مسائل الفقد وكتابات الغياب ثمة تشابه في الأفكار، وتجانس في الرؤى، وتجاذبات فكرية، وفي عالم الأدب ومجالات الثقافة تنوعت أسباب الكتابة عن الفقد والغياب، وانعدام التواصل الإنساني، هناك فقد الوالدين، وغياب الأبناء، وتوهان أفراد الأسرة في خضم الحياة، ومواجهة تحدياتها، وحتى الأدباء تحدثوا عن غياب الزوج، وفقد الزوجة، وتداعيات العشق وأهله وغير ذلك مما يذوب في هذه المفاهيم..

الغياب والحرمان صنوان لا يفترقان، وشدتني عبارة كاتب رواية «أولاد حارتنا» نجيب محفوظ، إذ قال: إن أكبر هزيمة في حياتي هي حرماني من متعة القراءة بعد ضعف نظري، لقد اعتبر حرمانه من القراءة هزيمة، غيابة عن بوتقة القراء حرمان، والحرمان بمسألة رياضية سريعة يعادل الغياب والغياب يساوي «أس الهزيمة»!

هناك من البشر من لديهم حدس يتوقع الفقد قبل حدوثه، هؤلاء مبدعون عباقرة، لا أعرف كيف أصفهم، أعتقد أنهم يمارسون طقوس الوداع قبل حدوثه، ويحزنون للوداع، ولما يحصل الوداع الحقيقي يكونون قد ودعوا وأشروا بأيديهم منذ زمن، الناس يعيشون متاهات الفقد، وأهل الحدس ودعوا واستودعوا واستوعبوا!

حتى في السياسة وتموجات تياراتها، هناك حضور ويبرز الغياب حين يحضر، هناك جماعات سياسية لديها حدس مسبق بحظوظ أحوالها، وتجدها تمارس البراغماتية تمهيداً للتعامل مع أي فقد قادم، والتعايش مع أجوائه، والتخطيط لمواجهة مقتضياته، لذلك تجد أصحاب هذا الحدس كمن ينطبق عليهم المثل الشعبي: لهم في كل عرس.. قرص!

لا شك كل نظريات السياسة لا تعترف بالفقد، ولا أعراف الدبلوماسية تتعامل مع الحدس، لكنهما موجودان، هما جزء من اللعبة، وطرف في المعادلة، وضمة فوق حرف، وكسرة تحت حرف الجر!

حتى في الصلاة، كثير من الأئمة عندما يقول: استووا واعتدلوا، يكملها بعبارة: صلوا صلاة مودّع، وهي إشارة إلى توقع الموت بعد الصلاة، ولا شك انها إشارة في محلها لأن أمر الساعة غيبي ولا يملكه سوى الله، لذلك المؤمن الحصيف يتعامل مع الموت كحقيقة متوقعة بأي لحظة، وربما يكون حدس الإمام في محله وينتقل إلى الدار الأخرى بعد الصلاة مباشرة، وبالطبع ينسحب هذا حتى في غير أوقات الصلاة، أي بطريقة أخرى عش حياتك عيشة المودع، في كل تعامل اعتبر أنه التعامل الأخير، ليس ما سبق دعوة للتشاؤم، لكنه تنبيه لحقيقة لا تقبل الشك، حقيقة الحياة والموت، رزقنا الله وإياكم حسن الخاتمة.

يوسف عوض العازمي

@alzmi1969

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking