من غير تهويل مفرط، لكن مستقبل الوطن في خطر، في ظل الظروف المحيطة باقتصادنا والاختلالات التي تواجهه. وسط غياب الحوكمة الحصيفة لموارد الدولة بشهادة المؤسسات الدولية المعنية، وما نتابعه من معلومات يندى لها الجبين في مختلف وسائل الإعلام، من صرف غير رشيد وتراجع في معظم المؤشرات العالمية وغياب الحلول المنطقية وفساد نتن، نخشى أن تنتهي دولة الرفاه والعزة والكرامة. لكن هيهات أن نقف مكتوفي الأيدي من غير نضال، حتى وإن كان أقله هذه السطور المتواضعة. لخّص الزملاء الأفاضل في جامعة الكويت في تقريرهم القيّم «قبل فوات الأوان» العديد من هذه الأخطار والاختلالات المحدقة باقتصادنا الوطني، متمثلة في التركيبة السكانية، وسوق العمل، والاعتماد على مصدر أحادي للدخل وضعف في النظام التعليمي.

المتابع للسياسات العامة في الدولة سيرى بصورة حتمية عدم ترابط العديد من القرارات والسياسات التي عادة ما تتخذ على عجلة أو من غير استشراف للعواقب أو من غير دراسة مستفيضة أحياناً. ناهيك عن عدم استغلال الجهات المسؤولة للبيانات التي بحوزتها أو الاستعانة بالمختصين والأكاديميين لدراسة الأمور وتقييم جدواها وفاعلية تطبيقها. كم من مستشار قدِم إلى الدولة لتقديم «استشارات» مقابل مبالغ طائلة من المال العام، ولم نر سوى تصريحات صحافية برّاقة عن الزيارة وأبرز التوصيات، بينما ظلت هذه الدراسات بعيدة عن متناول اليد ولا يعلم بتفاصيلها إلا نخبة دون سواهم. يجب أن تقوم المؤسسات العامة بتوفير وجمع وتكوين قاعدة قيّمة من المعلومات والبيانات، بما فيها الاستشارات التي قُدمت وصرف عليها من المال العام، وإتاحتها للمختصين والأكاديميين بشكل ميسر ومن غير تعقيد عقيم. الوضع لا يحتمل أن يستمر رسم السياسات العامة، سواء الاقتصادية أو غيرها، وسط تلاطم أمواج السياسة والانطباعات الشعبية والآراء الفردية بدلاً من الدراسات العلمية المبنية على البراهين والاستدلالات المنطقية الصادرة من كفاءات هذا الوطن المعطاء. اللافت قيام الرئيس المنتخب للولايات المتحدة الأميركية جو بايدن برفع دور المستشار العلمي الرئاسي ليكون عضواً في مجلس الوزراء قائلاً: «سيكون العلم دائماً في طليعة إدارتي، وسيضمن هؤلاء العلماء المشهورون عالمياً أن يرتكز كل ما نقوم به على العلم والحقائق والحقيقة».

سيظل الخطر ملازماً ما دام التعليم ليس أولوية السياسات العامة، وعلى رأس قائمة الأجندة الوطنية. كيف لنا أن ننشئ أجيالاً من العلماء والكفاءات وسط نظام تعليمي ركيك بشهادة المجتمعين المحلي والدولي؟ كيف ندرّب علماء المستقبل القادرين على إرشاد السياسات العامة إن لم نتمكن من إيجاد الحلول المستدامة للنهوض بالتعليم؟ أين نحن من إنشاء البنية التحتية اللازمة لدعم العلوم والاسترشاد بالأدلة العلمية، وكم تُرانا سنخصص لها في الميزانية؟ متى ستلتفت المؤسسات المعنية إلى كفاءات هذا الوطن؟ رسالتنا «قبل فوات الأوان»: لنسترشد بالعلوم والكفاءات.

د. ضاري عادل الحويل

@dhuwail

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking