«الخنفشار»؛ كلمة لا نعتقد أن أحداً استعملها، أو حتى سمع بها، ولكنها كلمة ذات دلالة، قيلت في قصة طريفة ذات مغزى.

فيروى عن رجل، عاش في قريةٍ، أهلها بسطاء، قليلو العلم والفهم، عُرف عن هذا الرجل ادعاؤه الحكمة والمعرفة بكل شيء، فما إن يسأل إلا أجاب من فوره وباستفاضة، فلا يعلم سائله كذبه من صدقه، فهو ما إن يُسأل عن كلمة إلا وشرح معناها ودلالتها، ومن هي القبائل التي تتحدثها، مستشهدا ببيت شعر، أو بقول منثور.

كان الناس يتعجبون من منطقه، وطلاقة لسانه، وسرعة بديهته في كل ردوده، فكان يستغل هؤلاء البسطاء من القوم بردوده المفحمة، فليس بينهم من يستطيع أن يحاججه أو يجادله، فكيف بهم أن يكذبوه؟! فإجاباته حاضرة دوما لكل سؤال، فهو لم يقل لهم يوما لا أعلم أو لا أعرف.

كان في تلك القرية بعض شبابها النبهاء المشكّكين في كلامه وردوده ويعتبرونها مجرد كلام، يلقيه على عواهنه، وكانوا كثيرا ما يحذّرون أهل قريتهم منه، ولكن يبدو أن هذا الرجل قد سحر قومهم ببيانه وعذوبة لسانه، فلم يستطيعوا فكاكا من سيطرته عليهم لانبهارهم به، ولاستشهاده بأقوام، أو أمثلة، أو حتى بأشخاص لم يسمع بهم أحد، فقد يكون كل ما يقوله هو من بنات أفكاره، فتواطُؤوا يوماً على ان يحرجوه.

اجتمع هؤلاء الشباب واتفقوا على الإيقاع به، وكشف زيفه بحيلة محكمة، كانت خطتهم أن يختار كل واحد منهم حرفا عشوائيا، على أن يكوِّنوا منها كلمة، ليس لها معنى، ومن ثم يسألون ذلك الدعيّ عن معناها، وكانت «الخنفشار» هي الكلمة العشوائية التي تكوّنت لديهم، وهي بالتأكيد كلمة لا معنى لها ولا وجود، لا في قاموس ولا معجم، ولا حتى في كتاب.

توجّه الشباب من فورهم الى ذلك الرجل، وسألوه عن معنى كلمة «الخنفشار»، ولكنهم فوجئوا وذُهلوا من إجابته السريعة، ومن دون تلعثم أو تلكؤ، أجاب الرجل من فوره، قائلا: الخنفشار نبات ينمو في أعالي الجبال، أطراف بلاد اليمن، إذا أكلت منه الإبل عقد لبنها، حتى إن الشاعر قال في ذلك:

لقد عقدت محبتكم فؤادي

كما عقد الحليبَ الخنفشارُ

هذا الرد السريع أذهل الشباب، وأسقط في أيديهم وأيدي قومهم، فهل «الخنفشار» كلمة موجودة أصلا في اللغة العربية لم يعلموا بها؟ وهل يصدّقون روايته على علاتها، أم يكذبونه؟ أما هو فبالتأكيد سيواصل تباهيه عليهم، مستغلا سرعة بديهته، وسذاجتهم وضحالة علمهم! فهذه الإجابة جعلت حتى أصحاب الكلمة أنفسهم في حيرة، ودفعتهم حتى إلى الشك في أنفسهم.

فما أكثر «الخنفشاريين» بيننا وحولنا، فمنهم من يتحكّم في مصائرنا، ومنهم من يشرّع لنا قوانيننا، فهم فطاحل في السياسة والاقتصاد، وحتى في الطب، وأحدهم لا يعرف كيف يقول لا أعلم، أو دعوني أستفسر، او حتى كما أظن، فهذا عيب ومهانة لا يليقان بمكانته، تراهم في كل منتدى ومجلس وديوان، فكونوا على حذر من هؤلاء «الخنفشاريين».

* ملحوظة: منقولة بتصرُّف من التراث.

طلال عبدالكريم العرب

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking