%72 من الأسر الكويتية ليست بحاجة للرعاية السكنية

أثار المقال السابق بعنوان «انخفاض أسعار «السكني» يضر بمصلحة المواطن!» المنشور بعدد الأحد 10 يناير 2021، الكثير من ردود الأفعال السلبية التي أتت، اما بسبب قراءة العنوان دون قراءة المحتوى أم بسبب فهم خاطئ للمحتوى أم بغرض استغلال فرصة التكسب بسبب استياء الكثيرين من العنوان. والأمر المستغرب هو علم الكثيرين أن الهدف الرئيسي من العناوين الصحافية هو جذب القارئ وليس إطلاق الأحكام على المقال وكاتبه من دون قراءة المحتوى.

إذا كانت القضية كبيرة ولها أبعاد متعددة، يفضل حينها تناولها من زاوية محددة والتركيز على تفاصيلها. لذلك لم يذهب المقال لتحليل كامل للقضية الاسكانية في الكويت، وانما خص جانب ثروة المواطن سواء مالك العقار السكني الحالي أو من سيحصل على توزيعة من الرعاية السكنية أو من سيشتري عقارا سكنيا في المستقبل أو من سيرث العقار السكني. اما الجوانب الأخرى فقد تم التركيز عليها في مقالات سابقة بعد الارتفاعات الكبيرة التي حدثت سنة 2013 مثل مقال بعنوان «حلم امتلاك بيت بسهولة شبه مستحيل.. حتى لو بعد 27 سنة» المنشور بالقبس بتاريخ 5 أكتوبر 2013، ومقال «العقار السكني.. يزيد الغني غنى والفقير فقرا» المنشور بالقبس بتاريخ 12 أكتوبر 2013 والعديد من المقالات الأخرى.

وهنا لابد من التوضيح أن امتلاك منزل بسرعة في الكويت قبل التوزيعات الحكومية هو أمر نادر وصعب جدا أو حلم. كما أن الارتفاعات الشديدة في أسعار العقار السكني مضرة وتزيد الفارق في الثروة بين الغني الذي تملك العقار بسرعة وبين الفقير الذي يحلم بتملك منزل العمر. لكن هذا لا يعني أن الهبوط «الحاد» الذي تم ذكره في المقال السابق غير ضار أو مفيد. فهو لا يضر الأغنياء فقط أو تجار العقار بل يضر أكثر من 154 ألف أسرة ممن حصلوا على توزيعات الرعاية السكنية خلال 63 عاما. أي منذ 1956 حتى 2019. كما يضر كل من اشترى العقار السكني بأسعار عالية له ولأسرته من ماله الخاص بالإضافة إلى تحمله قروضا من البنوك ومن الأفراد أحيانا في حال طلبت منه البنوك رهونات إضافية أو ضيقت عليه بسبب الهبوط الحاد في أسعار العقار.

بسبب تصدر المشهد السياسي اهتمامات المجتمع، كانت هناك محاولة لاختصار المقال السابق قدر الإمكان. الأمر الذي أدى إلى عدم ذكر مبررات التركيز على جانب الثروة في القضية الاسكانية بالقدر الكافي. وحقيقة الأمر هي أن هذا الجانب مهمل ولا يوجد من يذكره بالتفصيل المطلوب. إلى ذلك، لابد من الرد على أبرز التعليقات السلبية التي ظهرت على منصات التواصل الاجتماعي واهمال الشتم والتنمر رغم كثرتهما.


أغلب المواطنين من دون سكن!

من ضمن الردود الغريبة هو أن أغلب المواطنين من دون سكن، وهو أمر غير صحيح إطلاقاً. كونك لا تملك سكناً لا يعني أنك من دون سكن. ومسألة الاستقرار السكني دائماً مقرونة بوجود السكن وليس بامتلاك السكن.. وهنا يجب التفريق بين الحالتين. ولو افترضنا جدلاً أن تملّك السكن هو الأساس بالنسبة للمواطنين في دولة غنية مثل الكويت، ونظرنا إلى عدد الأسر الكويتية، لوجدنا أن هناك 310 آلاف أسرة كويتية كما في نهاية 2019، وفق إحصائيات الهيئة العامة للمعلومات المدنية، يقابلها 87 ألف طلب في الرعاية السكنية. ويمكن بسهولة ترجمة الأرقام السابقة إلى أن حوالي %28 فقط من الأسر الكويتية هم من يستحقون الرعاية السكنية، و72% من الأسر الكويتية ليسوا من المستحقين أو ليسوا بحاجة إلى الرعاية السكنية. فكيف يمكن أن يكون أغلب الكويتيين لا يملكون سكناً؟

سنوات وأنا أدفع إيجار السكن

إذا كنت مستأجراً للسكن كما هو حال الكثيرين من منتظري الرعاية السكنية، لابد أن تعلم أنه كلما طالت فترة انتظارك كانت قيمة ما دفعته كإيجار أعلى عند حصولك على التوزيعات السكنية. وهذا من مبدأ قيمة المال مع الوقت Time Value of Money. مثلاً، لنفترض أن إيجارك هو 550 ديناراً شهرياً، تدفع الدولة منه 150 ديناراً كبدل إيجار، وتدفع أنت الـ400 دينار الباقية. لو طبقنا مبدأ قيمة المال مع الوقت بدفعات شهرية تساوي 400 دينار وبفائدة 5% سنوياً لمدة 15 سنة، أي فترة انتظار التوزيعات، لكانت قيمة الإيجارات المستقبلية عند تسلّم التوزيعة هي 107 آلاف دينار. بطبيعة الحال ستكون أكثر من 72 ألف دينار، أي إجمالي مبلغ الدفعات بسبب حساب الفوائد. ولو كانت التوزيعات بعد 5 سنوات لكانت القيمة المستقبلية عند الحصول على التوزيعة هي 27 ألف دينار فقط.

من هذا المنطلق، يمكننا تقييم قيمة العقار السكني على أساس 30 ألف دينار منحة مواد بناء مضافاً إليها 70 ألف دينار قرض بنك الائتمان، بالإضافة إلى 107 آلاف دينار قيمة الإيجارات لمدة 15 سنة، ليكون الإجمالي 207 آلاف دينار. وبالتالي يمكن للمواطن أن يكتشف ما إذا كان دفع أكثر من القيمة العادلة لمنزله أو لا حسب سعره في السوق عند الانتهاء منه. وكلما زادت الأسعار كانت ثروة المواطن المحققة من حصوله على توزيعات الرعاية السكنية أعلى حتى بعد خصم الإيجارات المدفوعة بفوائدها.

ولنا هنا أن نتساءل: ماذا ستكون ردة فعل المواطن لو حصل على عقار لا يساوي الكثير بعد سنوات طويلة من الانتظار؟

لذلك، يمكن للرعاية السكنية التركيز على توفير توزيعات سريعة جداً، لكن بميزات أقل وقيمة أقل عند التوزيع، ويكون الاختيار حينها للمواطن كما حدث في الوفرة السكنية سابقاً.

ردود سريعة على بعض التعليقات

المنزل الذي تسكن فيه لا يحتسب من الثروة: غير صحيح، المنزل الذي تسكن فيه وتملكه يحتسب من ضمن ثروتك ولكن لا يتم احتسابه من ضمن الثروة في بعض الحالات لاعتبارات قانونية أو ضريبية وليس لاعتبارات مالية صرفة. منازل السكن الخاص ليست للمتاجرة: المقال لم يدع أبداً إلى المتاجرة، بل يبين فقط أن هناك ثروة تم خلقها وكبرت بسبب ارتفاع أسعار الأراضي السكنية وهذه الثروة سيحصل عليها من سيتملك العقار في المستقبل، سواء بسبب الشراء أو الورث أو بسبب التوزيعات الحكومية. ويمكن للدولة أن تحقق إيرادات كبيرة جداً من بيع بعض الأراضي بالتوازي مع التوزيعات لو أرادت ذلك. والمال العام بالنهاية هو ثروة للمواطنين جميعاً.

هذا أغرب تحليل اقتصادي سمعنا به وهذا فكر إقطاعي يخدم رأس المال المتنفذ: المقال السابق يبين تأثير سيناريوهات معينة مثل الهبوط الحاد في الأسعار وعدم وجود أزمة سكنية من الأساس على ثروة المواطنين بشكل عام وليس هناك إشكالية في كون النتائج صادمة للبعض. للأسف، تم استغلال صدمة الناس بهدف التكسب والمزايدة مع العلم أن المقال فني ومحدد جداً في الطرح ومبسط قدر الإمكان ولم ينحز لأحد على حساب أحد.

فئات قد لا تتمكن من شراء سكن.. حتى مع المساعدات الحكومية

قد تكون هناك فئة تضررت كثيراً من ارتفاع الأسعار، مثل من باع بيته لسبب ما أو لظروف خاصة، ولم يتمكن بعد ذلك من شراء منزل بسبب ارتفاع الأسعار. كما أن هناك العديد من المطلقات والأرامل لن يكفيهن القرض الإسكاني من بنك الائتمان لشراء منزل مناسب. لذلك لا بد من الاعتذار لهم إن آلمتهم نتائج المقال السابق أو كيفية تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي. ولا بد أيضاً من وضع حلول مختلفة تخفف من معاناتهم مثل تسهيل الانتفاع بالعقار السكني المناسب مدى الحياة من دون تملك أو غير ذلك، وهو الأمر الذي سيتم التطرق إليه في مقالات لاحقة.

هل زاد المشترون عندما كانت الأسعار منخفضة؟

عندما نحاول مقارنة أعداد من اشترى أرضاً أو بيتاً من مستحقي الرعاية السكنية على مر السنوات، سنصطدم بعدم وجود إحصائيات مفصلة من بنك الائتمان يمكن الرجوع إليها لسنة أو أكثر. لكن عند النظر إلى أكثر من تقرير شهري منشور وأكثر من تصريح في وسائل الإعلام، قد يتبين أن عدد القروض التي يقدمها بنك الائتمان لشراء منزل أو لبناء القسائم الخاصة، أي ليست من ضمن التوزيعات الحكومية، لا يشكل سوى نسبة قليلة من إجمالي القروض المقدمة.

لذلك لا بد من أن ينشر بنك الائتمان إحصائيات تبين إجمالي القروض المقدمة بعددها وقيمتها حسب نوعها وإحصائيات سنوية تبين البيانات نفسها حتى تكون هي المرجع الأساسي لمعرفة أعداد من يشتري بيوتاً قائمة أو يبني قسائم خاصة ومن يبني قسائم حكومية على مر السنين ومع اختلاف مستويات الأسعار. 

 محمد رمضان

كاتب وباحث اقتصادي
[email protected]
[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking