لقد ضاق بنا ذرعاً كل ما نعيشه الآن، بعد أن لبينا نداء الوطن والنطق السامي وانتخبنا مرشحينا وحققنا أغلبية شعبية في البرلمان لنحدث التغيير ونبدأ عهداً جديداً فوجئنا بمواجهة واقع غير سوي، فهل نستمر بالمواجهة؟ أم نضب أمتعتنا ونرحل بلا عودة بعد أن قلبت الحكومة كل الموازين، لتوصل لنا رسالة أنه لا يوجد أمل في التغيير؟! وحتى لا نصل إلى هذه المبالغة في ردة الفعل دعونا نأخذ استراحة محارب لا يحمل سلاحاً سوى قلمه، لنسترجع التاريخ لعله يسكب بلسماً على نتوءات جراحنا.

فبعد ثلاثة أيام من اليوم وقبل تسعة وخمسين عاماً، أي في العشرين من يناير 1962، (وركزوا معي أعزائي)، قام أمير البلاد الشيخ عبدالله السالم بافتتاح أولى جلسات المجلس التأسيسي، الذي أراد به تأسيس نظام ديموقراطي يشترك فيه الشعب بالحكم، وتم اختيار السيد عبداللطيف الغانم رئيساً للمجلس، والدكتور أحمد الخطيب نائباً للرئيس، (وركزوا معي مرة أخرى بإمعان شديد)، وأمر الشيخ عبدالله السالم الصباح أبناء الأسرة الحاكمة الأعضاء بالمجلس التأسيسي نتيجة وجودهم كوزراء بأن يمتنعوا عن التصويت على مواد الدستور، وترك ذلك لأعضاء المجلس المنتخبين، وذلك ليكون الدستور شعبياً! فهل يكفي هذا النقل الحرفي من أحد المصادر التاريخية، الذي أكدته القبس في عددها الصادر 9 نوفمبر 2018، لأن يكون ما نحن فيه مدعاة لـ«القهر» على ما افتقدناه منذ تسعة وخمسين عاماً؟!

أما اليوم وقبل 59 عاماً أيضاً، أي في 17 يناير 1962 فيصادف أول تشكيل وزاري رسمي في الكويت ضم أربعة عشر وزيراً، منهم ثلاثة أعضاء منتخبين من المجلس التأسيسي، وكان رئيس مجلس الوزراء، (ونود هنا من الجميع التركيز أيضا)، هو نفسه أمير دولة الكويت الشيخ عبدالله السالم.

والآن لنصحو من هذا الحلم الذي سردناه للتو لنوصل رسالة إلى سمو الشيخ صباح الخالد، وهو المثقف المطلع على كتب أشهر السياسيين أمثال مهاتير، أن عبدالله السالم، الذي لا تجد بيتاً كويتياً أو مكتباً خاصاً إلا وله صورة معلقة على حوائطهم، كتاب بحد ذاته ننصح سموه بقراءته، فهو يضم دروساً في التاريخ السياسي المعاصر والحديث، وكأنه يسير في خطى أشهر فلاسفة العصر، ولو سرنا خلف رؤيته لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.

ولعل الرغبة النابعة من وجدان عبدالله السالم في إرساء نظام ديموقراطي جعلته يستعين بالخبراء في هذا المجال، الذين لم يخرجوا عن الفلسفة التي استوحتها غالبية الأنظمة الديموقراطية حول العالم من كتاب «روح القوانين» الذي نشر عام 1748 لمؤلفه الفرنسي صاحب نظرية فصل السلطات شارل مونتسكيو، والذي يصدف مولده غداً من عام 1689، فصل السلطات فصلاً حقيقياً بين التشريعية والتنفيذية والقضائية، الذي يعتبر الأساس الرصين الذي بنيت عليه الدساتير التي يكون فيها الشعب مصدر سلطاته.

نحن نعتقد أن عبدالله السالم، الذي منع أبناء الأسرة الحاكمة في المجلس التأسيسي من التصويت على مواد الدستور منذ ستين عاماً لو كان بيننا لمنع الحكومة من التصويت في انتخابات رئاسة مجلس الأمة في الجلسة الافتتاحية.

كما نعتقد أن ما حدث مؤخراً لا يتسق مع ما لمسه الكثيرون في شخصية صباح الخالد الإصلاحية، وحيث إننا معارضة بالفطرة ولا نتفق مع قوله انه «مرتاح من جلسة الافتتاح» لمجلس الأمة رغم ما حدث فيها من انتهاكات، إلا أننا نأمل أن ما قاله لا يشكل قناعته الشخصية، وأنه إذا ما عاد بتشكيل وزاري جديد فإنه سيتفادى أخطاء السابق، ولعل قناعاته هذه تقوده لأن يقرأ ويعمل بكتابين، أحدهما عن الديموقراطية الحقيقية، والآخر عن الفصل الفعلي بين السلطات، الأول كتاب حياة عبدالله السالم، والثاني كتاب «روح القوانين» لشارل مونتسكيو.

*

إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

بدر خالد البحر

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking