سرعان ما احتقنت العلاقة بين الحكومة بقيادة رئيسها صباح الخالد والأغلبية المنتخبة في مجلس الأمة، الذين جاء معظمهم نتيجة إرادة التغيير في 5 ديسمبر 2020، فيما عاد آخرون ليكون الصف النيابي أكثر تماسكاً وصلباً في مواجهة عواصف الفساد السياسي.

الوحيد الذي يُلام في كل ما بلغناه من احتقان وصدام اثر تقدّم مجموعة وطنية من النواب باستجواب لرئيس الحكومة الشيخ صباح الخالد، هو الشخص نفسه، الذي وافق على قيادة الحكومة وارتضى المغامرة بالتشكيل الوزاري الهزيل.

إن صباح الخالد هو الشخص نفسه، الذي رفع سقف التفاؤل بحكومة واعدة وجديدة منهجاً وشكلاً منذ بداية تكليفه بالحكومة الأولى في أواخر عام 2019، حتى خيّمت المفاجأة الصاعقة على الكويت وشعبها بتشكيل وزاري مخيب للآمال بعد أن قضى صباح الخالد وقتاً طويلاً في التشكيل السقيم، وسبق لي نشر مقال عن «مولد الحكومة العليلة».

عاد صباح الخالد رئيساً لمجلس الوزراء في ديسمبر 2020 مع عدد من الوزراء الذين تحوم حولهم التحفظات المشروعة سياسياً وشعبياً، لكن كل ذلك لم يمنع صباح الخالد من مغامرته السياسية حتى بلغ المتوقع، حين برهن مجموعة من النواب عن إرادتهم الحرة وليست نوايا عبثية وهدفاً شخصياً، بل هدف تحقيق الإصلاح السياسي الشامل.

رمى صباح الخالد بثقله إرادياً أو لا إرادياً - سيان - نحو اختيارات وقرارات أوقعته في هوة أعمق من التشكيل الوزاري غير المتجانس سياسياً واقتصادياً وفكرياً، وهو ما يعني فقدان عمل الفريق الواحد حتى لو كان محدود العدد، بل أفراد يهوون الاجتهاد والبهرجة الوزارية والإعلامية منذ اليوم الأول من التشكيل الوزاري، وبات واقعاً دفع ثمن فاتورة كل ذلك على يد وحساب صباح الخالد شخصياً.

لن أثير حوارات سابقة دارت بيني وبين الأخ صباح الخالد منذ توليه حقيبتي الشؤون والإعلام أيضاً، وبعدها في فترة رئاسة الشيخ ناصر المحمد للحكومة، التي انتهى عمرها بعد ان زحفت الكويت بشبابها وكبارها ونسائها وصغارها إلى ساحة الصفاة وساحة الإرادة، مما أدى إلى إعفاء الشيخ ناصر المحمد بعد تحقيقه سابقة أولى في تشكيلات وزارية متتالية ومتنافسة من حيث العدد، بعد ما سمي حينذاك بالمشاورات، وهي خطوة غير مشروعة اجتماعياً وسياسياً، وتعد سابقة أولى لرئيس حكومة، مما حدا بتحفظ دولة شقيقة مجاورة على هذا النهج بسبب التحالف مع طرف مثير لحفيظة الدولة ذاتها.

لا يختلف اثنان على ما يتمتع به صباح الخالد من نزاهة وثقافة وخبرة دبلوماسية، لكن نقطة الضعف الوحيدة تكمن في طبع متأصل في سلوكه الشخصي، وهو عدم القدرة على اتخاذ قرارات قد ينزعج منها شيوخ وأفراد، وهذا هو الفشل بعينه أو بالأحرى النقيض لمبادئ القيادة الصلبة والجريئة وليست الناعمة، إذا كان فعلاً الهدف تحقيق الإصلاح المنشود وطنياً في شتى الاتجاهات، من دون تنازل وتردد أو تسويف.

للأسف، ان صباح الخالد كثيراً ما تكلم عن الإصلاح، ولكنه لم يتخذ قراراً واحداً حتى يشيع الدعم الشعبي والنيابي حوله ومعه!

أعلم إلى حد كبير بأخلاق صباح الخالد الرفيعة والخجولة في الوقت نفسه، التي تحول بينه وبين الاعتذار عن التكليف الرسمي له، وقيادة الحكومة بسياسة غير ناعمة في الوقت نفسه، ولكن الوضع العام والنيابي الحالي تحديداً يحتاج إلى رئيس حازم في قراراته وسياساته واختيارات حصيفة للوزراء، وهذا لا يعني التنازل عن حقه السياسي في التشكيل الوزاري، فرئيس الحكومة وحده الذي يتحمل تبعات التشكيل الوزاري وليس غيره.

افتقد تشكيل صباح الخالد الوزاري الحالي وما قبل ذلك ضم وزراء قادرين على قيادة فنون التفاوض ودعم الحوار البناء وعدم الجزع من الصوت العالي والمساءلة النيابية، فمن المشروع أن تكون للنواب مشاريع قوانين ومطالبات، ولكن هنا يأتي دور رئيس الحكومة وبعض الوزراء من المفوهين في التفاوض وقيادة الحوار السياسي، وليس الاجتهاد والتنازل خوفاً من خسارة المنصب الوزاري!

من المهم تذكير صباح الخالد بأن دوره في درء أي تصعيد نيابي والمحافظة على قواعد العلاقة السياسية والدستورية بين الحكومة والمجلس، لذا تقع عليه مسؤولية جسيمة في عدم حدوث رد لتشريعات من قبل صاحب السمو الأمير، فنحن أمام عهد جديد وإرادة نيابية جديدة، وكل ذلك يستدعي وجود وزراء على مستوى رجال دولة لا يوجهون في العمل، وإنما يقودون العبء السياسي من دون خجل أو وجل.

خالد أحمد الطراح

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking