ربما المشكلة التي لا يريد الجميع تقريبا الاعتراف بها تتمثل في أن طرح الحلول في الكويت يتم بشكل فردي، ولا نجد في معظم القضايا والأزمات، عملا جماعيا يتم تنسيقه من أجل توصل الغرماء لحلول وسطى قد لا تلبي مطالب الجميع لكنها تكون حلولا لا يرفضها الجميع.

المشكلة الأخرى تكمن في أن لغة التفاهم بين الأطراف المتعارضة تقوم على مفردات الإقصاء والإلغاء، وعلى جعل مبدأ جورج بوش الابن الشهير «من ليس مع أميركا في حربها فهو ضدها» ، هو الذي يحكم العلاقات بين هذه الأطراف، ولهذا رأينا التشنج يسود حتى في القضايا التي لا تستوجب التصعيد.

المشكلة الثالثة تتمثل في أن القضايا الخلافية لا يُطرح اختلاف وجهات النظر فيها بإنصاف، فنجد طرفا ما يعتبر نفسه ملائكيا في كل ما يطرحه، في حين يقوم هو نفسه بشيطنة خصومه ظلما وبهتانا، والفعل نفسه يقوم به الطرف الآخر، وهكذا ضاع الهدف من النقاشات العامة وهو الوصول إلى حلول، وحلَّ بدلا منه العناد وبحث كل طرف عن انتصارات مزيفة تتم غالبا عبر تحطيم الطرف الآخر من دون الوصول إلى نتيجة تفيد المجتمع.

ورابعة الأثافي، كما يقال، تتضح في تدني لغة الخطاب حتى لدى من يفترض أنهم نخبة المجتمع، فحل الشتم مكان النقد، وساد الاستهزاء، وبدلا من الحوار الرزين القائم على إدارة الخلافات برقي، رأينا حروب داحس والغبراء تتكرر على صفحات الجرائد، وفي تغريدات شبكات التواصل الاجتماعي.

هناك أصوات هادئة لكنها قليلة جدا لا تزال تتمسك بالنقاشات الراقية التي تنتقد برزانة، ومهما كانت موجعة في نقدها للآراء الأخرى، إلا أنها لا توغل في الخصومة، ولا تقوم مطلقا بتحويل الاختلافات في المنهج والآراء، إلى خلافات ذات طابع شخصي.

في صحافتنا المحلية هناك أمثلة كثيرة ومخجلة لمن قاموا بتحويل مقالاتهم الصحافية إلى حفلة مستمرة من الزار، ومن «تفريغ الغيظ» ضد تيار سياسي أو ديني معين، فتقرأ كمواطن هذه المقالات وتشعر في الوقت نفسه بالألم، ليس فقط لهبوط مستوى الكتابة لدى هؤلاء الحانقين، ولكن، وقبل ذلك، تشعر بالألم نتيجة للآثار المدمرة لهذه المقالات على تماسك الوحدة الوطنية، وعلى الاستقرار المجتمعي.

لست مع منع أي مقالة، فحرية التعبير مقدمة على ما سواها، ولكنني أتفهم قيام الصحف بمنع المقالات غير المهنية التي لا تصلح للنشر لرداءتها، أو لأثرها التدميري.

منع البذاءة لا يمس لا من بعيد أو قريب حرية التعبير، فحرية التعبير لا يمكن أن تكون جسرا للبذاءة والخطاب العنصري الذي يحرض على العنف.

في الآونة الأخيرة لاحظت أن عددا من الكتاب وبعضهم من المخضرمين أخذوا يتسابقون على حصد أكبر عدد من مرات التصفح لمقالاتهم في المواقع الإلكترونية عبر اختيار عناوين مثيرة، معظمها لا تجد له أثرا في المقالة، وللأسف في مجملها كانت عناوين تمس شرائح أخرى في المجتمع.

هؤلاء أيضا يطرحون مواضيع تهم جاليات عربية بعينها، ليس لأن هناك قضية ملحة تتعلق بهم، ولكن بهدف رفع عدد مرات التصفح لهذه المقالات وفقا للعدد الضخم جدا لبعض هذه الجاليات ممن يقطنون الكويت، ولهذا تكون المواضيع مجرد مواضيع سطحية تثير قلق البسطاء، والهدف ليس المعالجة بل زيادة عدد المتصفحين.

ما هذا الهبوط غير المسبوق؟!

زبدة القول إننا نحتاج إلى إدارة خلافاتنا بإنصاف، ومن دون الفجور بالخصومة، فوجودنا ككتّاب وكسياسيين في واجهة الأحداث يحتم علينا أمانة الاجتهاد بالطرح من دون تطرف أو شيطنة للآخرين، وعلينا ألا نجعل من آلام الناس ومشاكلهم فرصة للتكسب المالي أو أسلوبا للشهرة والنفوذ.

حتى الجمهوري جورج بوش الابن تخلى عن مبدئه الشهير، وتعاون مع رؤساء ديموقراطيين ضد الرئيس ترامب الجمهوري، لكن أيتامه في الكويت لا يزالون يتمسكون بهذا المبدأ البائس... من ليس معي فهو ضدي!

داهم القحطاني

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking