العبد، لا تعني فقط الإنسان الذي خلقه الله بلون بشرة معين، أو ذاك الذي أسر أو سلبت منه حريته بسبب حرب أو لأي نوع من الاضطهاد العرقي أو الطائفي، أو غيره من أنواع الظلم الذي يمارسه الإنسان على أخيه الإنسان، لأسباب معروفة وتشكلت خاصة مع حركات الاستعمار وما بعدها، من مثل فرض السيطرة أو الاستغلال الاقتصادي.. إلخ. ولا العبد أيضا هو من ضمن من يطلق عليهم بالعبيد الجدد، ممن تسلب ساعات طوال من حياتهم اليومية ويتعرضون لأنواع مختلفة من القلق والضغوط مع تقدم التطور الصناعي والنظم الاقتصادية الأخرى التي أحالت الإنسان إلى آلة أو رقم، وفرضت عليه أن ينتج أرقاماً معينة ويحقق أهدافاً وفائدة وإلا تم الاستغناء عنه واستبدال إنسان آخر أكثر إنتاجية به، وبالتالي أكثر تحقيقاً للفائدة المالية! على الأقل في مجتمعنا الخليجي لا يعاني المواطن من هذا النوع من الضغط كعمالة منتجة أو لا تشكّل نسبة كبيرة من المواطنين الموظفين لدينا عمالة المصانع أو غيرها من المهن الحرفية واليدوية.

هذه المقدمة تقودنا إلى السؤال الذي لم أجد له إجابة مقنعة حتى الآن: لماذا يتحلى إنسان - وباختياره - بأخلاق العبيد دونما وجود ما يجبره على ذلك، أو بسبب ضغط معين قد يخسر من أجله حياته أو رزقه؟ لماذا حل الكذب محل الصدق وكأنها عادة يومية لا ضير من استخدامها في أي موقف كان، ومن دون وجود خطر حقيقي على حياة الإنسان يضطره للكذب؟ لماذا يستحل الإنسان مال غيره أو حتى يرى له الأحقية في أن ينهب من ثروات وطنه ويصبح سارقاً للمال العام، إن لم يكن سيموت من الجوع أو ستقطع يده لعدم قطف القطن (كما كان يُفعل سابقاً في العبيد كنوع من العقاب) إن لم يكن مضطراً لذلك؟ لماذا أصبحنا نرى في أمور، كالغدر وخيانة الأمانة والتجني على الضعيف، ومحاربة الناجح، والعنصرية البغضاء، والحسد واحترام المظاهر أكثر من الجوهر، وأخذ حق الغير بما يسمى الواسطة والرشاوى والسرقة، أخلاقاً عادية؟ وربما أيضاً حشرها البعض ضمن ما يسمى بالعادات والأعراف؟ لربما سؤالي الذي لم أعد أجد له إجابة، و«ربما» قد تجدون له تفسيراً منطقياً لم أتوصل إليه: لماذا يختار الإنسان أن يكون عبداً لشهواته والشرور بداخله ويختار أن يكون مسيراً بحسبها، بينما أعطاه الله كل الحرية ليكون إنساناً قادراً على أن يسعى نحو الكمال وأن يتمم مكارم أخلاقه؟

د. أنوار السعد

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking