ديوانية «القبس» تفتح ملف العنف ضد النساء

أميرة بن طرف ومي السكري

هل هناك جرائم تمارس ضد النساء في المجتمع؟

بهذا السؤال فتحت ديوانية القبس الحوار بين ضيوفها، في مساحة نقاشية خلصت إلى أن هناك جرائم بالفعل تمارس ضد المرأة في المجتمع، إلا أن البيانات الدقيقة والإحصاءات الرسمية غير متوافرة أو قديمة.

وفيما دار النقاش حول النصوص القانونية، التي تعد مدخلاً لممارسة العنف ضد النساء، خلص المتحدثون في الديوانية، وهم رئيس لجنة المرأة والأسرة والطفل البرلمانية النائب أسامة الشاهين، والناشطة الحقوقية ورئيسة لجنة الأسرة في جمعية الحقوقيين الكويتية المحامية عذراء الرفاعي، والناشطة وعضوة حملة إيثار وحملة إلغاء المادة الـ153 سندس حمزة، إلى ضرورة المعالجة التشريعية لنص المادة الـ153، والمعنية بجرائم الشرف في قانون الجزاء.

وفيما دعت كل من الرفاعي وحمزة إلى ضرورة إلغاء هذه المادة، كونها مسيئة للمرأة، ولا تتفق مع القانون والشرع، أكد الشاهين أن لجنة المرأة لن تتردد في اقتراح إلغائها متى ما تأكدت من الحاجة لذلك، واتفاق ذلك مع الشريعة الإسلامية... وفي ما يلي تفاصيل النقاش:

استهل النائب أسامة الشاهين حديثه بالقول: إن المرأة بحاجة إلى رعاية وعناية كأي مكون في المجتمع، فهي نصف المجتمع، وتربي وتنشئ النصف الآخر، مضيفا أن لجنة المرأة البرلمانية تحاول أن تستمع عبر اجتماعات متتالية إلى جهات الاختصاص، كجمعيات النفع العام، والمجاميع التطوعية، والجهات الحكومية، فيما يتعلق بالعنف ضد المرأة وأسبابه وتداعياته، في محاولة للاستماع إلى أهل الاختصاص للتأكد من إدراك المشكلة، لاتخاذ الإجراءات المناسبة في هذه القضايا، مؤكداً أن هناك أولوية لمعالجة المادة الـ153 من قانون الجزاء، مؤكداً الحرص على إصدار التشريعات قبل انتهاء دور الانعقاد في القضايا التي تتطلب ذلك.

وأضاف أن ما لمسناه أن هناك معاناة للمرأة الكويتية وتحديات تواجهها، ونحن الآن بصدد تحديد ما إذا كان هناك قصور في التشريع أو خلل في التشريعات القائمة، أو أن القضية مسألة اجتماعية بحتة لا علاقة لها بالتشريعات.

وأوضح أنه وجّه أسئلة برلمانية للوقوف على أرقام وبيانات وإحصاءات وزارتي الداخلية والعدل، لتصبح هناك قائمة بالبيانات في ما يتعلق بالجرائم ضد المرأة، وهل هناك بالفعل تخفيف أحكام في الجرائم ضد النساء أم لا. وأشار الشاهين إلى أن هناك قوانين وتشريعات في الكويت جيدة، كقانون العنف الأسري، وقانون حماية الطفل، ولكن معظم هذه القوانين تصطدم بعدم صدور اللائحة التنفيذية لها، مبيناً أن مهلة الأشهر الستة لإعداد اللائحة التنفيذية لقانون العنف الأسري لم تنتهِ بعد، ومن المقرر وفق المدة المحددة أن تصدر في مارس. وعن إنشاء دور إيواء للنساء، قال الشاهين: إن الحكومة تقاعست عن توفيرها، مضيفاً أن بعض الرجال، الذين يعانون من رفض أسري، هم بحاجة إلى مأوى أيضاً، لافتاً إلى أن الأمر يبدو كأن الحكومة فكرت بعقلية بعض الرجال الشرقيين باعتقاد أن عدم الحديث عن المشكلة يلغيها، مشدداً على ضرورة الاعتراف بالمشكلة مدللة بالأرقام، مشيراً إلى أن الاعتراف بداية مشوار الإصلاح.

وأشار إلى أن اللجنة ستستدعي الحكومة ممثلة بوزارة الشؤون والمجلس الأعلى للأسرة، وأيضاً ديوان حقوق الإنسان، لمراقبة جهودهم تجاه قضايا النساء، خصوصاً التعنيف. المادة 153 وحول المادة 153 في قانون الجزاء الكويتي، قال الشاهين: لن نتردد في اقتراح إلغاء المادة متى ما تأكدنا من الحاجة العملية لذلك، وموافقة ذلك مع الشريعة الإسلامية، مشيراً إلى أن التوجه الواضح حتى الآن يشير إلى ترجيح الإلغاء. وأوضح الشاهين أن الشريعة الإسلامية متقدمة في تجريم الجرائم ضد المرأة، مؤكداً أنه لا تعارض بين الإسلام وحق المرأة وحريتها، موجهاً رسالة اطمئنان أننا في هذه المادة لا نتحدث عن مساحة اختلاف أو صراع ليبرالي ــ إسلامي، مشيراً إلى أن الراجح الآن في معالجتها أننا بحاجة لإلغاء المادة، قائلاً: لكن لنكون منفتحين أكثر، قررنا الاستماع للآراء عبر حلقة نقاشية، فقد يقترح البعض بدائل أخرى في بعض التعديلات، وقد يرى البعض إلغاء تحديدها بجنس ما، وفتحها لكلا الجنسين، وقد تذهب وجهة نظر البعض إلى أن المشكلة ليست في النص، بل في العقوبة المخففة، ونود أن نتثبت حول ما إذا كانت هناك عقوبات مخففة صدرت بالفعل في هذا الشأن أم لا، مضيفاً: قد تكون المشكلة في نص قانوني آخر. وأكد الشاهين أن اللجنة متيقنة من ضرورة معالجة المادة 153، ووضعها في الأولوية، لكن كيفية معالجتها ستكون بناء على نقاش مع المعنيين. لا فرق بين الجنسين من جهتها، قالت المحامية عذراء الرفاعي إن قانون الجزاء الكويتي (رقم 16 لسنة 1960) حمى الإنسان من العنف والجرائم، ولم يفرق بين الجنسين، وجاء قانون 16 لسنة 2020 ليحمي المرأة من العنف، لافتة إلى أن القانون الجديد عرف كلمة العنف بأنه إلحاق الأذى والإخلال بجسد الضحية والذي يعاقب عليه القانون. أرقام المعنَّفات وفي ما أشارت الرفاعي إلى المادة الـ29 من الدستور الكويتي، التي تؤكد أن الناس سواسية بالكرامة الإنسانية، انتقدت قصور الجهات الحكومية في حصر أرقام المعنفات، لافتة إلى أنه لا جهة تحصر أرقام المعنفات، وإن وجدت فهي من نساء استطعن أن يتحدثن ويسجلن شكاوى، مضيفة أن أكثر شيء تستند إليه المرأة في أسباب الطلاق هو وقوع الضرر الجسدي أو النفسي، مشيرة إلى أن الأرقام الرسمية أشارت إلى تسجيل 365 حالة عنف ضد المرأة وفقاً لآخر إحصائية لوزارة العدل عام 2010.

ولفتت الرفاعي إلى وجود قصور في التشريع في بعض النصوص، والتي قد تسهم في إحداث خلل في المحاسبة لضمان حقوق المرأة.

وفيما دعت إلى ضرورة تعديل نصوص بعض المواد في قانون الجزاء، منها المادة 182 الخاصة بخطف القاصر وإعفاء الجاني من العقوبة في حال زواجه منها برضا الولي من دون رضاها، والمادة 159 بشأن قتل المرأة وليدها درءاً للعار، طالبت بإلغاء المادة 153 الخاصة بجرائم الشرف، باعتبارها مادة دخيلة، وتتعدى على الشريعة الإسلامية، فضلاً عن تشريع قانون يجرم التحرش الجنسي، خصوصاً أثناء العمل.

لا بيانات

من جانبها، رأت الناشطة سندس حمزة أن كلمة «الشرف» مطاطية، ويختلف معناها وفقاً للأمور الاجتماعية، مؤكدة أن وجود المادة 153 لا تتناسب مع الشريعة الإسلامية ولا تتفق والقانون أو النظرة المجتمعية.

وقالت حمزة إنه لا توجد بيانات دقيقة بشأن جرائم الشرف في الكويت، فيما عدا بعض القضايا الأخيرة، التي برزت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن عدم وجود بيانات بحد ذاته مشكلة وعائق أمام الحل.

وتساءلت: كيف يمكن تمكين المرأة في الكويت في ظل وجود مادة تسيء لها؟ لافتةً إلى أن العنف الجسدي يعد أكثر أنواع الجرائم شيوعاً ضد المرأة في المجتمع الكويتي؛ وذلك نتيجة لأساليب التنشئة الاجتماعية الخاطئة والثقافة الذكورية السائدة وضعف الوازع الديني.

وكشفت حمزة عن أن %85 من الحالات يكون التعنيف فيها صادراً من رجل، و%15 من الحالات يكون المعنِّف فيها امرأة، لافتةً إلى استقبال الحملة 160 حالة مُعنَّفة خلال عامي 2019 و2020.

إيواء المعنفات

وحول آلية التواصل مع الحالات المعنفة، لفتت حمزة إلى أنه يتم التواصل مع المعنفات عن طريق الـ«إنستغرام»، ويتم ملء نموذج استقبال الحالة المعنفة للتأكد منها، كما يتم التواصل مع اختصاصي نفسي واجتماعي وقانوني لمتابعة الحالة، مشيرة إلى أن الحملة تحرص على حث الحالات المعنفة بالمصالحة مع الأهل، وفِي حالة الرفض يتم تحويلها إلى النيابة.

وأشارت إلى صعوبة إيواء المعنفات ممن هن أقل من 21 عاماً ومساعدتهن حتى لا يتم إدراجها ضمن قضايا الخطف، موضحة أنه يتم إيواء الحالات المعنفة على نفقتهن الخاصة في مناطق سكنية بعيدة عن مقر إقامتهن لمدة 3 أشهر.

ولفتت حمزة إلى أن أغلب المعنفات لا يذهبن إلى العمل لصعوبة تعاملهن مع العالم الخارجي بعد تعرضهن للعنف، وهناك حالات يتم نقلهن إلى إدارة أخرى (نقل داخلي)، مؤكدة أن هناك بعض الحالات تحوّل إلى الطب النفسي.

حلقة نقاشية

أعلن النائب أسامة الشاهين عن عزم لجنة المرأة والأسرة في مجلس الامة عقد حلقة نقاشية بشأن المادة 153 للاستماع لكل وجهات النظر بشأن إلغاء أو تعديل المادة، متوقعاً عقدها خلال أقل من شهر.

دور المجتمع المدني

أشاد الشاهين بدور مؤسسات المجتمع المدني في سد الثغرات في بعض الجوانب التي تعاني من قصور حكومي، خصوصاً في قضايا المرأة والأسرة، داعياً الحكومة إلى التعاون مع هذه المؤسسات.

الخوف من الشكوى

أوضحت عذراء الرفاعي أن أغلب النساء يخشين التحدث عن العنف أو الجرائم الواقعة ضدهن، لأنه في السابق لم تكن هناك جهة تحتضن هذه القضايا، ولكن مع إنشاء الشرطة المجتمعية المعنية بمثل هذه القضايا الأسرية، بدأت بعض النساء بالحديث عن قضاياهن.

العنف المالي

أشارت الرفاعي إلى أن هناك أنواعاً متعددة من العنف، منها العنف المالي، كأن تأخذ المرأة قرضاً للزوج، ثم يتركها لاحقاً للزواج بأخرى.

تحسين صورة الكويت

الناشطة سندس حمزة أشارت إلى أن اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة (سيداو) طلبت من الكويت تغيير وإلغاء بعض مواد قانون الجزاء، وهي مواد 182 و159 و153، قائلة إن هناك تعديلات من السهل إجراؤها لتخرج الكويت بصورة جيدة دولياً.

10مطالب أبرزها إنشاء قاعدة بيانات

لخص المتحدثون في الديوانية مطالبهم للقضاء على العنف ضد المرأة والحد من الجرائم ضدها في 10 مطالب، جاءت على النحو الآتي:

1-تشكيل جهة مختصة تكون مهمتها وضع سياسات لمكافحة العنف الأسري وحماية المعنَّفات، ما يعني تفعيل قانون الحماية من العنف الأسري بالإسراع في تشكيل اللجنة الوطنية المذكورة بالقانون.

2-إنشاء جهات مسؤولة لاحتضان المشاكل الأسرية وعلاجها قبل تحويلها إلى النيابة العامة.

3- سن العقوبات البديلة لعلاج العنف والاستعجال بنشر اللائحة الخاصة بقانون الحماية من العنف الأسري حتى يتمكن الضحايا من حماية أنفسهم قبل وقوع الجريمة.

4-تعديل النصوص والتشريعات لحماية المعنفات.

5-تعجيل فتح مراكز الإيواء.

6-تهيئة بيئة تعليمية آمنة، وتغيير المناهج وتعديلها؛ للتقليل من العنف ضد المرأة والطفل.

7- إعداد تقارير سنوية حول وضع المرأة وتمكينها.

8- توعية المجتمع بسلبيات الزواج المبكّر والزواج القسري.

9-نشر الوعي بين الأفراد حول مخاطر العادات والتقاليد وآثارها على حياة المرأة، فضلاً عن تثقيف المجتمع بحقائق انتشار ظاهرة العنف.

10-إنشاء قاعدة بيانات لقياس حجم العنف الممارس ضد المرأة، وبيان طبيعته، وعواقبه.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking