برنار ستيغلر: الوباء كشف هشاشة أنظمتنا

تقديم وترجمة: عبدالرحيم نورالدين

يعتبر الفرنسي برنار ستيغلر من أبرز فلاسفة التقنية، وأحد مفكري الثورة الرقمية الكبار. ولد ستيغلر سنة 1952، وقبل الحصول على شهادة الدكتوراه، التي أعدها تحت إشراف الفيلسوف جاك دريدا، تقلد عدة مسؤوليات، كان لبعضها صلة وثيقة بمسألة التقنيات ومدى تأثيرها على الحياة الاجتماعية للكائن البشري. وهكذا شغل مناصب مهمة في الكوليج العالمي للفلسفة، وفي مركز جورج بومبيدو، وفي المعهد الوطني للسمعي - البصري، ومارس التدريس الجامعي. كما شارك سنة 2005 في تأسيس مجموعة التفكير الفلسفي Ars Industrialis ورأسها. وهو أيضاً من أسس معهد البحث والتجديد في مركز جورج بومبيدو، وكان مديراً له.

قبل أشهر قليلة، قابلته مراسلة «لومانيتي»، وأجرت معه الحوار التالي الذي تناول فيه بالتحليل الأزمة الصحية التي تسبب فيها فيروس كورونا، وكيفية التعاطي مع الأدوات العلمية والتقنية المتاحة لمواجهة الوباء، وضرورة إعادة اختراع عالم مرن، واعتماد التجارب المحلية والذكاء الجماعي.

نظام الخوارزميات

• كيف كان رد فعلك كفيلسوف على وصول وباء كوفيد 19؟

برنار ستيغلر: تابعت تطور الموقف بحيطة وحذر، محاولاً تكوين وجهة نظر عما يجري. لفترة طويلة جدًا، وضعتنا سلوكياتنا الاجتماعية في موقف شديد الهشاشة. وهذا الوباء هو تأكيد على ذلك. على مدى العامين الماضيين، مع مجموعة من 60 عالماً ومن 15 دولة مختلفة، كنا ندرس المجتمع الصناعي بمعناه الواسع، ولاحظنا زيادة في الأنتروبيا، أي في القدرة على الكفاح ضد الموت بأشكاله المختلفة. في الجزء الثاني من مؤلفي «ماذا يعني التضميد؟ درس غريتا تونبرغ»، أوضحت كيف يقود اقتصاد البيانات بنيوياً إلى التدمير التدريجي لكل قدرة على تحمل الحوادث الطارئة من خلال إبطال كل مقاومة للضغط يمتلكها النظام. على سبيل المثال، جعلت المضاربات النظام المالي هشاً للغاية.

بدأت خوارزمية المالية سنة 1971، عندما أنشأ بيرنارد مادوف Bernard Madoff شركة كانت تعرض تمرير أوامر تلقائية لشراء وبيع الأسهم. بعد أقل من عقدين من الزمان، خسرت وول ستريت %17 من قيمها في غضون ساعات قليلة.. يرجع سبب هذا الانهيار في سوق الأسهم ببساطة، إلى تصرف جميع خوارزميات التداول الأوتوماتيكية بشكل متطابق، وعندما تبدأ إحداها في البيع، تقلدها الأخرى، وهو ما يؤدي إلى انتشار الحركة نفسها! إن هذا التقليد الآلي هو فقط الذي تسبب في انهيار سوق الأسهم. والحال أن نظام الخوارزميات هذا، هو الذي أصبح الآن القاعدة في جميع القطاعات: غوغل، والشبكات الاجتماعية، وحتى في الطب.

«كوفيد» واتخاذ القرارات

• ما الروابط التي تقيمها بين أزمة «كوفيد 19» وبين أتمتة اتخاذ القرارات؟

برنار ستيغلر: اليوم، سواء في عالم البنوك أو في الزراعة أو حتى في ما يتعلق بالصحة، نطبق نماذج ميكانيكية على وقائع ليست آلية على الإطلاق! لذلك نضعف الكائنات الحية، وخاصة البشر. فيما يتعلق بـ«كوفيد 19»، فإن انتشاره السريع جدًا مرتبط بالتسارع: فالسكان يتحركون أكثر من ذي قبل. وهكذا تؤدي سرعة انتشار الفيروس إلى إصابة العالم أجمع بالعدوى، قبل أن يتم اكتساب مناعة جماعية في مناطق معينة.

منذ عام 1997، خلقت سلسلة من الفيروسات الجديدة بعض الأمراض المعدية الناشئة، وهو أمر لم يحدث قط في تاريخ الصحة البشري. لقد رأينا حوالي خمسة عشر فيروسًا تظهر في غضون عقود قليلة؛ بينما في الماضي، لم نكن نكتشف فيروسات أو عصيات جديدة إلا كل خمسين عامًا أو مئة عام. يعود سبب هذا التغيير إلى إزالة الغابات: يقوم الإنسان بإزعاج الموائل البرية، ويجبر الحيوانات مثل الخفافيش أو الطيور على ترك منافذها البيئية التقليدية، ومن تم على نقل المرض المعدي إلى الحيوانات الأقل برية أو حتى التي تعيش مع الإنسان.

هكذا تنتقل العدوى

في عام 1998، بعد عدد من الحرائق في جزيرة سومطرة، تعرضت بعض الخنازير للعدوى من الخفافيش... ونقلت المرض إلى مئات البشر. كل هذا راجع إلى اضطرابات النظم البيئية التي تحدث بشكل متكرر أكثر، لأننا صرنا نطبق على الإنتاج الصناعي نماذج للحساب مستوحاة من الفيزياء الرياضية. والحال أنه لا يمكن تطبيق الفيزياء على علم الأحياء، لأن الكائن الحي لا يتفاعل مثل الشيء الفيزيائي. لقد تجاهل الناس لمدة طويلة، أن دوام استمرار الكائن الحي يتوقف على امتلاكه لقدرات التصدي للقصور وزيادة الفعالية. بيد أنه من المستحيل حساب هذه القدرات. كان أول عالم فسّر ذلك هو لودفيج فون برتالانفي Ludwig von Bertalanffy، الذي برهن في عام 1968، في نظريته العامة للأنظمة، على أنه لا يمكن للمرء حساب مستقبل نظام حي، لأن تطوره يتم دائمًا عن طريق توليفات عشوائية فائقة التعقيد، لا يمكن لا التنبؤ بها ولا السيطرة عليها. في وقت مبكر من عام 1798، أوضح عالم الحفريات العظيم جورج كوفيي أنه باستطاعتنا رسم اتجاهات تتعلق بتطور الخيول مثلاً، ولكن لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نتوقع بشكل جيد مستقبلها.

إكراهات الماكينة

ألم تعد هذه الأزمة الصحية، بشكل مفارق، القوة إلى الدول، طالما أن قراراً سياسياً هو الذي أتاح إيقاف الآلة الإنتاجية وإخضاع السكان للعزل الصحي؟

برنار ستيغلر: بالفعل، يبدو أن شخصية رئيس الدولة وسلطته قد تم ترميمهما إلى حد ما منذ أزمة كوفيد 19، على الرغم من الانتقادات التي ظهرت بشأن إدارة هذه الأزمة وأوجه قصورها، وما إلى ذلك. إنه أمر جيد، لكنه غير كاف. في عام 1920، كتب مارسيل موس نصًا عن دور الدولة الوطنية، أكد فيه أنه حتى لو نمت الأسواق المالية، فإنها لن تؤدي إلى اختفاء الدول التي تنتج التماسكات المحلية، وهو ما يعزز التصدي للقصور وزيادة الفعالية. وراء الدولة القومية، من الضروري إعادة تكوين السلطات العامة الإقليمية، وأحياناً حتى السلطات ما تحت الدولة، ولكنها تجسد المصلحة العامة، وهو ما لا يمكن أن يكون حال الفاعلين الخواص.

هذه الفكرة التي كنت مع آخرين أدافع عنها منذ فترة طويلة، باتت بديهية بسبب كوفيد 19. الرهان الآخر هو أن البيانات تستخدم من قبل السلطة العمومية لرصد الحالة الصحية للسكان في الوقت الحقيقي. يمكن لهذه الأزمة تسريع هذه الممارسات وقبولها. أنا شخصياً لست معارضاً قوياً لها، شريطة مراجعة عميقة لشروط إنتاج واستغلال هذه المعلومات، ووضع أنظمة بيانات توجه نحو اتخاذ القرار الجماعي. من الضروري للغاية وضع حد للكدح (تحويل الناس إلى بروليتاريين) في جميع القطاعات. قال ماركس في عام 1848: «يتم إضفاء الطابع البروليتاري على العمال لأنهم يخضعون لإكراهات الماكينة». وتنبأ إنجلز بأن ذلك سيشمل في النهاية كذلك الفنيين والمهندسين والرؤساء.. وقد حدث ذلك.

التعلّم من «كورونا»

• هل سننجح في التعلّم من هذه الأزمة أم أنها ستمحى بسرعة من ذاكرتنا؟

برنار ستيغلر: بالنسبة لي، لا توجد ذاكرة البشر في أدمغتهم، إنها تقيم بين الأدمغة المرتبطة في ما بينها بالمؤسسات. يمكن أن تكون طقوسًا شامانية، أو كاهنًا، أو مكتبة أومدرسة... هذا ما أسميه الاحتفاظ بالتعليم العالي. حولت وسائل الإعلام الجماهيري هذه الذاكرة بشكل عميق منذ عام 1945، لا سيما التلفزيون والإذاعة اللذان قاما بتوحيدها. وصار الأمر أكثر سوءاً مع شبكات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث مثل غوغل، التي توجه خياراتنا، وتستبق رغباتنا وتفرغنا من أنفسنا. هذا الموقف المحاكي له نتائج كارثية، خاصة أنه يؤثر في الأطفال في سن مبكرة. إن ما يجب الرهان عليه اليوم، هو إنتاج نماذج جديدة لتجنب تدمير الحضارة البشرية. إن ذلك رهين بنا جميعاً: مفكرون، ووسائل إعلام، ورجال ونساء السياسة. إذا لم نفكر بشكل جماعي في نموذج جديد، فإن هذه الهدنة القسرية ستكون عديمة الفائدة ولن نكون قادرين على تحقيق المطابقة بين أجر العمل وبين فائدته الاجتماعية. من أجل بلوغ هذا الهدف، يعد البحث المشترك والمتعدد التخصصات، والتجريب المحلي رهانين رئيسيين.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking