عربية أنت حذاقة وأصالة ولباقة، سارقة اللفظ، باهية اللحظ، فالجمال احتواكِ وألبسكِ ثوبه بلا منازع، وكسا منكِ كل لفظ رائق وذائق دافق. سموتِ على بناتِ عمكِ والبعيدات عن أصلكِ، فغدوتِ بين بناتِ العم حميمة قريبة، وعدوتِ تباعدين الحاسدات الراقبات تيها ولينا. فيالكِ من سارقة الدُّرِ في مكنونه، وناثرة للتربِ في وجوه الحاسدين.

اللفظ قد حاز بكِ البطولة، فأنتِ وهو الفوز الأوحد، لا يناكفكما فيه أحد، فأنتِ في عيون الراقبين روعة، وفي عيون الحاسدين حسرة، كَمّلكِ الله صنعة، فجعل كتابه فيكِ يُتلىٰ. ليس لكِ في الأخريات المثل، فاق وصف الواصفين والأمل، فالكل قد دان عقله وفكره، أن ليس مثلكِ يقاس بمثله. حزتِ كل الفوارق والجياد السوابق، وَصُفَّتْ لكِ النمارق، وَبُثَّتْ لكِ الزرابي، وازدانت بكِ الحُلل.

عربية، وغيركِ عجمة لا تَنَافُسَ بينكمُ، فالبصريون يأنفون أن تدخل لفظة أعجمية الأصل إلى دارهم، وكأنهم يقولون لا دار لمن أراد أن يقفز فوق دار ألفاظهم، ويظن أن قفزه يُدخله طواعية إلى أرضهم. والكوفيون قبلوا شواذ كل لفظ استوعبته العربية استيعاباً، والبغداديون أذاعوا كل لفظ بمصرَ والأندلس إذاعة، ومنها صار اللفظ سائحاً في قُطْرٍ سياحة.

الأصل والوصل بكِ، عربية جعلتِ الألفاظ تنحتُ أصلاً لكِ، فَعَيْنُ الخليل عَيْنُ كتابه، وأخرج الحروف من مخارجها إبداعاً وإعجازاً، وصحح الجوهري كل لفظة وجاد في الصحاح ما أجاد، وفاق الفيروز كل معجم أصلاً واشتقاقاً وأحاطَ، ومن جاء من بعده عجز عن بلوغ آفاقه، وهذَّب الأزهري في تهذيبه كل لفظة، فجاءت كالدُّرِ في جيد عذراء وأفاد، وتوسع ابن منظور، فناظر أقرانه وفاق سبكاً واتساقا، فأضحيتِ عربية عروساً بما جاء به الزبيدي مهراً وفاقا، فيا روعة من كانوا وأضحوا أعلام لفظ واحترابا.

أذهلتِ الناظرين اشتقاقاً، فما ظَهَرَ جديد إلا وقد استوعب اسمه ورسمه فأفاد، وزادكِ الإعراب رفعة ووثاقا، وجمَّلتكِ البلاغة في محاسنها البديعية في كل ثوبٍ قشيبٍ تزاهىٰ، فكناية لفظ ومعنى دون تصريح زيناً وأناقة، وتشبيه فاق الأصل شبهاً وملاحة، واستعارة كيف بالله تكنى دونها الأرواح سفاحا، وترادف تردد في تتابع لفظ وأبان، وطِبَاقٌ جمع بين ضدين متناكفين أو معنيين متصالحين سياقاً، وجِنَاسٌ في تشابه لفظٍ نطقاً وصراحة، واختلاف معنى عند أهله اتفاقا.

ما هذا إلا عتاب الأحبة لمن فرط في عروس أضحتْ للناظرين الراصدين بلاغة، وتزاهتْ، وتنمقتْ، فجالت في عقولهم وألبابهم حتى غدت بضاعة، بضاعة مزجاة لكل من ذاق طعم الشهد في حلاوة وطلاوة.

د. سعود محمد العصفور

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking