الزمن منافس ماهر... ربما كان العدو الوحيد الذي تنبغي مصادقته والتصالح معه.

فالأرقام التي كنت تعدّها بعيدة جداً ولا تعنيك في شيء وأنت في العشرين، تتسلل قريباً منك كل يوم بدرجة مدهشة.

وللتصالح مع الزمن يقوم العلماء يومياً بالعديد من الأبحاث في سبيل الحفاظ على صحة ووظائف أعضاء الجسم في ما يعرف بعلوم مكافحة الشيخوخة أو Anti-aging.

نتيجة لذلك زاد متوسط عُمر الفرد في العديد من المجتمعات، وأصبح الربط بين السن الفعلية والسن البيولوجية غير متطابق في كثير من الأحيان، وبدأنا نرى صور النجوم والنجمات الذين تجاوزوا الخمسين، بل والستين، وقد ظهروا في قمة اللياقة والأناقة. كما تشير إحصائيات صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى ارتفاع النسبة العالمية لكبار السن ممن تجاوزوا الخامسة والسبعين.

بالتالي اتخذ التعامل بين الأجيال شكلاً جديداً، خصوصاً مع زيادة فرصة الوجود والتحقق للأجيال الأصغر سناً عما كانت عليه منذ عقدين من الزمن مثلاً، حين كانت كل منابر الرأي والتواصل حكراً على الكبار، فتم استبدال العديد من وسائل التواصل والفضائيات بالقنوات المؤسسية.

ربما كان «الإعلان» أوضح مثال على التغيرات المجتمعية الناتجة عن ذلك، فالإعلانات ليست مجرد ترويج لسلعة ما، وإنما هي أساساً نوع من الفن يعكس ثقافة المجتمع ويعبر عنه.

وتتباين الإعلانات في الأفكار التي تعبر عنها، فنجد في أحدها تجمّعاً عائلياً يجلس فيه الجد محاطاً بأفراد أسرته، يمد الحفيد يده تلقائياً لالتقاط حبّة شوكولاتة من أمام الجد فيصمت الجميع متهيبين من ردة فعل الجد بسبب تجاوز الصغير غير المقصود، يومئ الجد لحفيده بابتسامة سامحاً له بأخذ الشوكولاتة فيعود الشعور العام بالارتياح والاطمئنان.

هكذا يفعل البعض، يعرف متى يجب أن يترك مساحة للجديد لينمو ويعبّر عن نفسه، سواء في العمل أو الفن أو الإبداع، وهكذا تزدهر المجتمعات وتنمو.

بينما في إعلان آخر تقف الجدة صارخة ومتوترة، محاولة الحفاظ على نظافة المنزل من دون جدوى، يعبرها الأبناء والأحفاد بلا التفاتة واحدة، يطأون الأرض بالأحذية والدراجات غير مبالين بما تقوله أو تشعر به.

إن أقسى ما يمكن أن يشعر به الشخص هو التجاهل، وإذا كان من الطبيعي والمنطقي إتاحة المجال للشباب وإمدادهم بكل ما يلزم من الخبرة الحياتية والمعرفية، فإن الاهتمام بالصحة النفسية والمجتمعية لكبار السن أمر لا يقل أهمية.

لكن في الوقت الذي تبذل فيه المنظمات المختلفة الكثير من الجهود لمواجهة العنف ضد المرأة أو إساءة معاملة الأطفال، نجد التوعية لمواجهة الإساءة لكبار السن ما زالت لا ترقى للمستوى المطلوب.

هناك الكثير من الخطوات البسيطة لها أثر كبير في توطيد مشاعر القرب والدفء لديهم، مثل الحرص على تبادل الحوار معهم - خصوصاً عند من يعانون من مشكلات صحية تعوق التواصل الاجتماعي مثل مشاكل السمع أو الحركة وخلافه - والاستماع إليهم باهتمام وصبر، والحرص على مشاركتهم وجبات الطعام واعتبارها نشاطاً عائلياً لا مجرد وجبة يتم توفيرها، كذلك من الضروري الانتباه إلى أي علامة تشير إلى تعرضهم للإساءة الجسدية أو النفسية أو المادية من المحيطين بهم، هذه الإساءات التي قد يعانون منها من دون أن تكون لديهم القدرة أو الشجاعة لمواجهتها خوفا من الوحدة.

د. رحاب إبراهيم

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking