إبراهيم الصلحي.. دموع السجين المخلوطة بالحبر الأسود

هنادي المرزوق - نيويورك -

«دفتر الزنزانة» هو كتيب أصدره متحف نيويورك للفن الحديث (موما) بالتعاون مع مؤسسة الشارقة للفنون (السركال)، ويحتوي الكتيب على مذكرات الفنان السوداني إبراهيم الصلحي عندما اعتقل في ١٩٧٥ بتهمة الضلوع بانقلاب سياسي وزج به في سجن كوبر الشنيع في الخرطوم لمدة ستة أشهر بلا محاكمة. وقد جاء اصدار هذا الكتيب في عام ٢٠١٧ متزامناً مع بداية ارتفاع أنصار حقوق الإنسان في السودان، إلا انه عاد الى الصدارة أخيرا مع «حركة حياة السود مهمة» التي سلطت الأضواء على الفن الأفريقي لحشد أكبر كمّ من الزخم الثقافي لدعم للحركة.

بدأ الصلحي تعبيره الفني بهذا الأسلوب الذي يدمج ما بين المرئي والمقروء، بعد تخرجه بفترة وجيزة في مدرسة سليد المرموقة للفنون الجميلة في لندن وعودته الى السودان عام ١٩٥٧. حيث كان قد أقام أول معرض له بأسلوب فني غربي لم يجد القبول محلياً، وعلى حد قول الفنان، كان الحضور لا يعنيهم فنه على الاطلاق بل يأتون حينذاك للاستمتاع بالمرطبات فقط. لذا انضم الصلحي الى حركة فنية عربية رائدة تأسست على قاعدة تجريد الخط العربي الى رسومات فنية معاصرة، وعندما وجد هذا الأسلوب الفني المحدث صداه لدى محيط الفنان دأب على الاستمرار به وتطويره، مستلهماً أعماله الفنية من جذور نشأته الثقافية التي دمجت ما بين أصوله العربية والافريقية معاً.


عبر الفنان الصلحي بإحساس صوفي عميق عن تجربته المريرة في السجن، حيث دوّنها على دفتر مذكرات بسيط في هيئة رسوم بالحبر الأسود مؤطرة بالنثر والشعر. يحتوي الكتيب الذي جاء بغلاف موحد اللون كأي دفتر مذكرات على جزئين، احدهما المذكرات الأصلية باللغة العربية وآخر مترجم الى الإنكليزية، مصحوباً بتعقيب توضيحي من الفنان الصلحي.

الرسوم لا تعبر عن صراع الفنان مع الخضوع القسري والجسدي في السجن فحسب، بل تعبر عن تجربة الظلم بشكل شمولي يتجاوز البعد المادي، مما يجعل من هذا الكتيب دليلا لما يحدث في أعماق كل مظلوم ومضطهد في العالم. بالرغم من المساحات البيضاء المعتادة في صفحات الدفاتر، والتي كانت مذكرات الزنزانة قد سطرت ببساطة على احداها، إلا أن جميع الرسوم احتوت على ايحاءات مشتركة لظلام قابض وكئيب عبر عنه الفنان ببقع من الحبر الأسود المتلاشي وكأنه دموع اختلطت بالحبر لتخلد تلك الملحمة.

ينتقل الفنان باستنارة المتصوف بين الرسوم العربية، التي شملت البراق وفن الخط العربي والمنمنمات الزخرفية الكلاسيكية الى الفن الأفريقي، مستلهماً اياه من الأقنعة ومنحوتات الأجساد الطويلة النحيلة لفنون قبائل غرب افريقيا التقليدية.

ينهي الصلحي مذكراته برسمة كارتونية صادمة لرجل آلي مقلوب رأساً على عقب، مختلفة عن كل الرسومات في المذكرة وكأنها تعلن عن آلية تالفة ونهاية حقبة آيلة الى السقوط.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking