اللوحة لريم الأحمد

اللوحة لريم الأحمد

غالية المانع -

أمّي الحبيبة، أو الحبيبة «يووم» كما اعتدتُ أن أناديَكِ، إليكِ أكتب هذه الرسالة التي لا أعلم حين تصلكِ سأكون على أية حال، أو مع من؟ أو في أي بلد؟ ولا أعلم إن كانت ستصلكِ أم لا؟! لكنني سأكتبها على أية حال، فمنذ أن ودعناكِ في حلب، أنا وزوجتي سماح وأبنائي شادي وفادي وأسعد، منذ أن... هل أقول ودعناكِ أم تركناكِ؟!

نحن لم نتركْكِ لأن البقاء كان رغبتكِ وسط إلحاحنا، ولم نودعْكِ أيضاً، فرياح الموت كانت عاتية جرفتنا بقوة دون أن تدعَنا نودّع أو نستودع!

فماذا أقول إذاً؟!

حسناً وجدتها! منذ اللحظة التي فارقناكِ بها، نعم فَسَواء تركناكِ أم ودعناكِ كلاهما أفضى إلى الفراق. تبدأ الأفعال بإرادتنا ثم تنتهي رغماً عنا بالفعل المارد «أن نفارق». فلا يخفى عليكِ أمي العزيزة كم التصق بي هذا الفعل كالظل منذ اللحظة التي فارقتكِ بها حتى كتابة حروفي هذه.

«يووم»، سأختصر عليكِ تفاصيل رحلتنا، فلربما كان الشخص الذي استعنتِ به لقراءة رسالتي على عجالةٍ لتجهيز حقائب سفره، أو ربما كان يحمل على ظهره طفلَه فارّاً من منزله الذي قُصف، أو ربما قاطعكما صوت «الهاون» أو «التوشكا»!

آه يا «يووم»!

لقد عبرنا الحدود السورية ــ التركية، ثم غادرنا تركيا بحراً باتجاه اليونان. وعلى سواحل تركيا لم يشأ ابني «فادي» أن يغادر معنا، فقرر أن يسبقنا، ثم وصلنا إلى اليونان، لن أدخل كثيراً في تفاصيل الجو والبرد القارس، لكن بسببه اعترضت زوجتي «سماح» على أن تكمل الرحلة معنا، فسبقتنا هي الأخرى. ومن اليونان غادرنا بحراً باتجاه إيطاليا، التي لم تعجب «شادي» و«أسعد» على الأحرى فسبقاني هما أيضاً.

أنا الآن وحدي، لا.. لا لستُ وحدي. فهذا «سعدو» ابن الجار «أبو سعدو» يقاطعني بينما أكتب هذه الرسالة. يقاطعني وهو يقرأ الأخبار العاجلة على شاشة هاتفه، ليخبرني أنه تم قصف حيّ «باب الحديد» في حلب!

حيّنا؟!

حيّكِ؟!

«يووم»!

لعلكِ أردتِ أن تسبقيني أنتِ أيضاً؟!

حسناً، لن أعترض ولكن أرجوكِ. أرجوكم جميعاً انتظروني. أنا قادمٌ لأبنيَ معكم وطناً...

في السماء!

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking