لقد أمرنا ربنا بالالتزام بالأمانة والمحافظة على المال العام وتنميته، فالله سبحانه وتعالى رقيب على عباده: «... إن الله كان عليكم رقيباً» (النساء: 1)، ولقد استخلف الله عز وجل بعض الأفراد على المال، كما استخلف الناس جميعاً على بعض المال، وإذا كان الفرد يبذل جميع ما في وسعه للمحافظة على هذا المال أيضاً، فإن الناس جميعاً مكلفون بالمحافظة على المال العام.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن استغل وظيفته ليكسب بها لنفسه، حينما جاء بما جمع من الصدقات المفروضة، واحتجز لنفسه الهدايا التي قدمت إليه: «هلّا جلس في بيت أبيه وأمه؛ حتى ينظر أيهدى إليه أم لا». (رواه البخاري). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة لمن ائتمنك، ولا تخن من خانك» (أخرجه أبو داوود).

وإذا نظرنا إلى كويت الماضي، لوجدنا الكثيرين من أبنائها الأمناء الشرفاء الذين يحبون بلدهم ويحافظون عليه وعلى مكتسباته وماله العام، ومن هؤلاء التاجر سعد محمد سعد المنيفي، فقد كان أول وكيل في الكويت لأشهر ماركات الأقلام الحبر والجاف مثل «الباركر» و«الشيفر»، وتعد هاتان العلامتان التجاريتان (الماركتان) من أشهر وأفخم الأقلام الموجودة في ذلك الوقت، فجاءه في يوم من الأيام وفد من إدارة المشتريات بوزارة التربية، وكان ممثلو الوفد يريدون أن يشتروا أقلاماً لتوزيعها كجوائز على طلبة المدارس الفائقين والفائقات، فطلبوا شراء كمية من الأقلام الفاخرة، فسأل التاجر سعد المنيفي أعضاء الوفد: لماذا تشترون كل هذه الكمية من الأقلام؟ فأجابوه: للطلبة الفائقين والفائقات، فقال لهم: هذه الأقلام فاخرة وتصلح للمسؤولين الكبار، ولا يقدرها قدرها الأولاد الصغار، فلا ينبغي لكم أن تشتروها، لقد قال لهم ذلك على الرغم من أنه يعلم أنه سيربح من بيع هذه الأقلام الفاخرة والباهظة الثمن مبلغاً كبيراً، فقالوا له: لسنا من سيدفع ثمن هذه الأقلام، وزارة التربية سوف تتحمل تكاليف هذه الأقلام، فقال لهم: حتى لو كانت الحكومة ستدفع ثمن هذه الأقلام، فالأولى أن يتم توفير هذا المبلغ، ورفض بيع الأقلام الفاخرة لهم رفضاً قاطعاً طالما كانت للطلاب، وقال: إن هذه الأقلام لا تصلح إلا للمسؤولين، وباعهم الأقلام العادية لإعطائها للطلاب تكريماً لهم على تفوقهم.

وعلى الرغم من أن التاجر سعد المنيفي قد فوّت على نفسه فرصة الربح الوفير من صفقة بيع الأقلام الفاخرة، فإنه كان موضوعياً وأميناً وحريصاً على الحفاظ على المال العام، لأنه كان يخشى الله عز وجل ويتقيه، وكان يبتغي مرضاته سبحانه، ويبتعد عن كل ما يغضبه سبحانه وتعالى، كان يتحرى الكسب الحلال وإن قل، ويبتعد عن الكسب الحرام وإن كثر.. رحم الله التاجر سعد المنيفي وجزاه على صنيعه خير الجزاء.

د. عبدالمحسن الجار الله الخرافي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking