الانتخابات البرلمانية ليست مجرّد استحقاق انتخابي لاختيار أعضاء مجلس الأمة، بل هي المؤشر الحقيقي والوحيد لفهم خيارات الشعب الكويتي واتجاهاته، فما تفرزه هذه الانتخابات هي ما يحدد أولويات هذا الشعب خلال الفترة القادمة.

وقراءة خيارات الشعب وفهم توجهاته تحتاج إلى الحكمة والحنكة والقدرة على فهم أبسط التغيرات في مواقفه، فكيف إذا كانت هذه التغيرات كبيرة وواضحة، وقالها الشعب بالخط العريض، وبما يشير بدقة ووضوح كبيرين إلى عدم رضا الشعب عن الفترة الماضية وعلى ما يريده خلال الفترة القادمة، والأوضح من ذلك كانت الملفات التي حملها النواب نتيجة قراءتهم المباشرة لاتجاهات الشارع الكويتي، والتي على أساسها اختارهم هذا الشعب، وعليه كان على الحكومة أن تواكب تطلعات الشعب وأن تعكس خياراته، وأن تأتي متوائمة مع تركيبة هذا المجلس، وهو ما كان سيحقق الانسجام بين الحكومة والمجلس والشعب، هذا الانسجام الذي يعكس تمثيلا سياسيا كليا لأبناء الوطن وتطلعاتهم.

لقد حذرنا سابقاً من أن الاختيار التقليدي في تشكيل الحكومة، المبني عادة على عامل الوقت وعلى المحاصصة والترقيع، وعدم اختيار الوزراء من دون تفكير مسبق، ومن دون مراعاة للعوامل الموضوعية التي أفرزتها الانتخابات، سيؤدي إلى ما نحن عليه.

نعم هناك ميل لعزوف كثير من رجالات الدولة عن المشاركة في الحكومة، وهذا له أسبابه المنطقية والمعروفة، لكن في حال كانت تركيبة الحكومة مراعية لاتجاهات الشارع الكويتي، ولم تكن حكومة محاصصة أو حكومة بعيدة عن أولويات المواطنين، فنحن متأكدون من أن كثيرا من رجالات الكويت سيرحبون بالدخول فيها، لا بل سيرغبون في أن يكونوا ضمن هكذا حكومة قادرة على عرض خطتها الطموحة أمام المجلس وأمام مواطنيها، وتستطيع مواجهة النواب بحيث يكون الوزراء شركاء فعليين في القرارات المختلفة لمجلس الوزراء سواء على المستوى السياسي أو الفني، وليس في إدارة وزاراتهم فحسب.

لقد قال الشعب كلمته من خلال اختياراته لممثليه، وتعبيره بوضوح عن توجهاته وتطلعاته وأولوياته، وبالتالي نُفذ الاستحقاق الدستوري والديموقراطي في هذا الجانب، والدستور الكويتي كفل للنائب حق الاستجواب والمساءلة، والاستجواب المقدم مستحق، والاستحقاق الآن يتعلق بتشكيل حكومة قادرة وبنهج جديد، فكثيرا ما تغيرت الحكومات خلال السنوات الأخيرة، لكنها دائما كانت تتشكل وتسير وفق النهج نفسه الذي يؤدي إلى المأزق والنتائج نفسها، وهذا لم يعد مقبولاً الآن، فما تحتاجه الكويت ليس مجرد تغيير في الأشخاص بل تحتاج إلى تفكير حكومي جديد يقترب من الشعب ويتلمس مطالبه وأولوياته، وينفتح أكثر على الدستور وحقوق مجلس الأمة والنواب بالمساءلة والرقابة، لقد ملّ الشعب الكويتي التغيير الشكلي في الحكومات، وهو ينتظر حكومة قادرة على أن تقدم برنامجاً طموحاً يرقى إلى مستوى تطلعاته، برنامجاً واضحاً وشفافاً ويمكن تطبيقه؛ عندها سيكون النواب متعاونين إلى أبعد الحدود، ليس فقط لتجاوز الأزمات السياسية، بل من أجل تعاون واسع وبنّاء للمضي قدماً في تنفيذ كل المشاريع والأولويات التي يحتاجها الشعب الكويتي، من حل للملفات العالقة والتداعيات التي فرضتها أزمة كورونا، إلى تنويع مصادر الدخل، إلى حل المشكلات الاقتصادية والخدماتية وكل المتطلبات التنموية التي تحقق تنفيذ الأولويات التي يتطلع إليها الشعب الكويتي.

د. حمد محمد المطر

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking