* بما اننا بشر؛ الخلافات موجودة، والزعل موجود وأشكاله متنوعة، وتبدأ مشاعر الغيرة والخلافات منذ الطفولة وقبل إدراك معنى الاختلاف والابتعاد، وتكون معها عودة العلاقات من دون فتح ملفات وعتاب ومن دون وساطة.

* هناك أرواح لا تقبل العودة، ولا تدرك معنى العفو والتسامح وفكرة فتح صفحة جديدة بيضاء ناصعة.. لفتح المجال لتدوين الحب والخير والسلام والصفو، وما يخدم العلاقات ومصلحة الأطراف، ولا تقبل وتوافق بروح صادقة أن تجلس على طاولة حوار لتتحاور..

* مع ما كان وتحقق بالأمس القريب.. بعد سنوات ثلاث ونصف السنة من مقاطعة وما تبعها من آثار.. يتراءى لنا جميعاً وجهه وابتسامته، وصدق نبض قلبه ووجعه آنذاك في لمّ الشمل، وتحقيق المصالحة، سفره هنا، ويغادر لهناك.. ويسافر ساعات طويلة لهناك بما يحمله في قلبه من هم وتفكير.. لما يسكن روحه وفكره إعادة فتح البيت العود الخليجي.. أمير الإنسانية المغفور له بإذن الله الشيخ صباح الأحمد الصباح رحمه الله..

* كان يحمل هم البيت الخليجي في نبرة صوته، ونظرة عينه، من رؤية قائد دبلوماسي، ونظرة أب، ونظرة مستقبلية يرى خلالها بخبرته ورؤيته ما لا يراه غيره من صور وأحداث وأخطار.. لتتحقق أمنيته.. باستمرار الوساطة التي حمل همها وأمانتها سمو الأمير الشيخ نواف الأحمد الصباح.. أمير الكويت.

* وكانت المصالحة.. وكانت لحظة الاستقبال والترحيب والعناق.. بين سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى وبين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.. لحظة من الزمن والتاريخ اختلفت فيها المشاعر وتداخلت، رغم ما تحمله من معان.. ورؤية قيادة ترى في دهاليز السياسة وخلف الكواليس ما لا تراه الشعوب وتدركه، إلا أن شريط سنوات يفرض نفسه ولا يمكن لصور حديثة وتغريدات وتصريحات وأصوات وترحيب.. أن تمارس القدرة على مسح سنوات محفوظة بذاكرة وطن وشعب وبلحظة ندعو لنسيانها، وهذا أمر طبيعي لا يختلف عليه اثنان. فبقدر مشاعر الفرح الممزوجة بالخوف الإنساني الطبيعي والحذر في تحرك وسفر، وفي رسم سياسة علاقات كدولة، فإننا أمام حقيقة وواقع تغلب عليهما مشاعر الفرح الممزوج بحذر..

* تقع الخلافات على مستوى الأفراد والعائلة الواحدة، وعلاقات الصداقة.. وعند لحظة الخلاف تتراءى للإنسان كل الصور السلبية التي يتفنن الشيطان في استحضارها ورسمها وتلوينها وتزيينها وتكبير عيوبها وشخوصها..!

* وعند لحظة حل الخلاف والتسامح أو السعي للنسيان، تختلف العقول والقلوب في تقبلها أو صدها.. بين قلوب حاقدة لا يمكن لها أن تسامح وتغفر، أو أن تمنح وقتاً للجلوس والحوار والإنصات وغسل القلوب مما رأت وعلق عليها من صور مزعجة، تحولت إلى حقد يرفض معه أحد الطرفين أو كلاهما التنازل والتسامح.. وبين قلوب كبيرة ورحبة ومسامحة لا تحمل حقداً ولا كرهاً ولا تعرف نوعه وطبيعته وشعوره، تجدها تبادر بقلب وروح طفل وقلب أبيض، وتبتسم وتسامح وتنسى أو تتناسى وتتغافل عما كان لأجل المصلحة العامة.. وبين قلوب وعقول تتخذ قرار المسامحة وفتح صفحات أو صفحة جديدة للعلاقات، ولكنها تمسك القلم لتدون معه مسار العلاقة، ورسم حدودها بحبر قلم لا يمكن محوه أو إزالته بسهولة..

* وبين أنواع البشر وقلوبهم في التسامح.. نحتاج إلى مجاهدة النفس ومخالفة هواها، ومخالفة الكبر الذي قد يتراءى ويصور لها أنها على حق، وأنها لن تسمع لأحد ولن تسمح لأي رأي أن يحركها.

* عندما نرى الخلاف والأمور وسوء الفهم والضبابية كبشر وعلاقات إنسانية فإنها تؤلم وتوجع، وتسعى معها العقول الحكيمة إلى الصلح. وعندما نرى وندرك ونقرأ عمق العلاقات التاريخية، وعمق الجذور الممتدة في عمق القلوب بين دول وجيرة وعلاقات ممتدة في عمق الأرض قبل عمق الأرواح، ترى العقول الحكيمة رؤية شاملة ورؤية مستقبلية رغم ما أزعج البصر والروح ولا ينكره أحد ولا ينساه بشر..

* آخر جرة قلم: جميل ومهم جداً في العلاقات أن تكون صاحب مبدأ، المبادئ لا تتجزأ ولا تتقادم ولا تنسى ولا يتنازل عنها، صاحب المبدأ على حق حتى وإن تكالبت عليه الأمم ورفضت هذا الحق! والعلاقات المتينة المبنية على صلات دم وقربى وتاريخ وعلاقات مشتركة، أو حتى تلك العلاقات التي تكونت بمواثيق دولية، تشوبها خلافات، ولكن الصادقة منها تبقى مستمرة كالنهر الجاري رقراقة ومنسابة حتى وإن اعترضها عارض وعائق وحجر، تستمر وتنساب وتجري وتبقى.. فالأصل هو الذي يبقى ويستمر لتعود.. ورغم جفاء الاخوة.. عمر الدم ما يكون ماء.

سلوى الملا

@salwaalmulla

كاتبة قطرية

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking