يقال كثيراً إن الفرص تولد من رحم الأزمات. ومن المؤمل أن يكون هذا صحيحاً في الحالة الخليجية هذه الأيام. فقد خرج مجلس التعاون الخليجي خلال الأيام القليلة الماضية من أخطر أزمة واجهته خلال عقوده الأربعة. اليوم، الكل يتحدث بتفاؤل عن موقف خليجي موحد أكثر من أي وقت مضى.

فالسرعة التي تجري بها إجراءات طيّ أزمة قطر تشير إلى أن دول المجلس تسعى جاهدة إلى تحويل الأزمة، التي شلت المنظومة الخليجية لأكثر من ثلاث سنوات، إلى خريطة طريق في العام الجاري لتصبح مشاركاً رئيسياً في ما يتوقعه الكثيرون من تغيرات وما يجري من ترتيبات على صعيد السياسة والاقتصاد العالميين في مرحلة ما بعد وباء كورونا وما بعد رئاسة دونالد ترامب. كما يطمح المجلس إلى أن يكون حل الأزمة مفتاحاً كذلك لحل قضايا أخرى معقدة مثل حرب اليمن، التي طالت أكثر من اللازم وتنوعت تأثيراتها السياسية والإنسانية.

لكل ذلك، كان إنهاء الأزمة القطرية ضرورة ملحة. بالطبع كان واضحاً منذ اليوم الأول أن مقاطعة قطر لن تدوم إلى الأبد. كان لا بد لها أن تنتهي، فقد كانت أشبه بخلاف عائلي لابد له أن يأخذ وقته، أو كنزلة برد ذات دورة محددة. ذلك الوقت كان مهماً للدول الأربع لإعطاء قطر الوقت الكافي لمراجعة مواقفها التي أخذتها عليها الدول الأربع دافعاً لإعلان المقاطعة. الوساطة الكويتية لعبت دوراً رئيسياً ليس فقط في جسر الخلافات، بل في التأكيد كذلك على أن الوقت الذي أخذته تلك الوساطة تخللته حلحلة بعض الأمور محل الخلاف.

فمنذ تأسيسه في 25 مايو 1981 في ذلك الاجتماع التاريخي الذي استضافه فندق إنتركونتيننتال في أبوظبي، كان مجلس التعاون عائلي الصبغة. وهذا جزء كبير من قوته وساعده كثيراً على مواجهة الكثير من الأزمات خلال الأربعين سنة الماضية، لكنه في الوقت نفسه نقطة ضعف كذلك. فعلى خلاف تجمعات سياسية أو اقتصادية أخرى في العالم، يتألف مجلس التعاون الخليجي من ست دول تكاد تكون متطابقة في أنظمتها السياسية وتشترك بوشائج اللغة والتاريخ والدين، فضلاً عن الوشائج الأسرية. فتجد على سبيل المثال عائلات كويتية جذورها في المملكة العربية السعودية. كما تجد بحرينيين وقطريين يحملون اسم العائلة نفسه، ومثل ذلك في دولة الإمارات والمملكة وسلطنة عمان. كما يوجد أفراد القبائل نفسها في ثلاث أو أربع من دول المجلس.

وهذا العامل لم يكن أساسياً في إنشاء المنظومة فحسب، بل إنه مهم أيضاً في الحفاظ عليها. وبالتالي، كان من الطبيعي أن تنتهي الأزمة مع قطر في يوم ما. وكان بعض من المحللين، لا سيما أولئك الذين لا يعون الكثير عن خصائص المنطقة، قد تنبأوا بتفكك مجلس التعاون، وأن أزمة قطر هي إيذان بنهايته، لأنهم لا يدركون عمق العنصر العائلي في تركيبة المجلس. لذلك ربما صدموا حين شاهدوا ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يعانق أمير قطر لدى وصوله إلى قمة العلا يوم الثلاثاء.

ومع ذلك، في العقود الأربعة التي مرت على قيامه، بات المجلس أكثر من مجرد رابطة أسرية، فقد نضج ليصبح لاعباً سياسياً واقتصادياً رئيسياً في المنطقة. دولتان من أعضائه، السعودية والإمارات، هما أكبر وثاني أكبر اقتصاد عربي على التوالي. ودول المجلس تصدر ما مجموعه أكثر من 14 مليون برميل من النفط يومياً. ويفوق إجمالي الناتج المحلي للدول الست مجتمعة تريليون ونصف التريليون دولار أميركي. كما أن القدرات العسكرية للدول الست مجتمعة تجعل من المنظومة قوة لا يستهان بها في الشرق الأوسط.

وقد ساعد هذا المزيج من التكوين البنيوي والهيكل السياسي والاقتصادي والعسكري مجلس التعاون على الصمود في وجه العواصف السياسية والعسكرية المتلاحقة خلال العقود الأربعة الماضية: الحرب العراقية ــ الإيرانية، الغزو العراقي للكويت في عام 1990، وهجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة التي نتجت عنها الحرب الأميركية الطويلة على الإرهاب وإسقاط نظام صدام حسين في عام 2003، وكذلك احتجاجات الربيع العربي الذي أدى كذلك إلى سلسلة من النزاعات المسلحة وصعود جماعات إرهابية جديدة وأكثر شراسة مثل «داعش».

اليوم، يتطلع مجلس التعاون إلى مرحلة ما بعد الأزمة القطرية لاستعادة دوره إقليمياً وعالمياً. ومن خلال طي صفحة هذا الخلاف، سيكون لدى المجلس القدرة على مواجهة تحديات جيواستراتيجية وجيوسياسية أكثر تعقيداً، مثل إعادة الحياة للاقتصاد في مرحلة ما بعد كورونا، والتعامل مع إدارة أميركية جديدة برئاسة جو بايدن، التي يعتبرها البعض امتداداً لإدارة باراك أوباما، التي لم تكن ودية جداً في علاقتها مع دول الخليج، وهناك طبعاً الملفان الأكثر تعقيدا والمسببان لصداع إقليمي مزمن: إيران وتركيا.

فعلى مجلس التعاون متحداً الخروج باستراتيجية جديدة تحيد الخطر الإيراني الماثل في إصرار طهران على توسيع برنامجها النووي والصاروخي، وكذلك طموحاتها لتوسيع دائرة نفوذها في المنطقة على حساب المحيط العربي، عبر تمويل وتسليح ميليشيات في دول عدة. تركيا لا تخفي أبداً مثل هذا الطموح. فهي مستمرة في توسيع نفوذها الاقليمي عبر تدخل عسكري مباشر في سوريا وليبيا والعراق.

طي صفحة الخلاف الخليجي سيسهم كثيراً في إعطاء مجلس التعاون القدرة على مواجهة هذين الملفين: عبر الإصرار على المشاركة في المفاوضات الأميركية الإيرانية المتوقعة بعد تسلم بايدن الرئاسة وكذلك عبر حوار من موقع القوة مع تركيا، وهي شريك تجاري رئيسي لدول المجلس، لوضع حد للسياسات المضرة بأمن المنطقة.

لكل هذه العوامل كانت المصالحة الخليجية ضرورة استراتيجية في هذا التوقيت بالذات، وهو توقيت حرج يتطلب موقفاً خليجياً موحداً ترجمته بلغة عربية واضحة مفردات بيان العلا.

محمد سالم المزعل

@Almezel

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking