لوحظ في السنوات القليلة الماضية تحول لغة الإعلام إلى اللهجات العامية بصورة مبالغ بها. فالمنصات الإعلامية في الشوارع تصدمنا بتعابير غريبة والإعلانات المرئية على مختلف القنوات التلفزيونية تحاصرنا بمفردات موغلة بالعامية، بعضها غريب وغير مفهوم.

فإذا كان من الممكن تقبل حوار مذيع في لقاء مع شخصية اجتماعية باللهجة العامية أو شبه العامية على القنوات التلفزيونية الخاصة، فلا يمكن أن نتقبل أو نجد مبرراً لاستعمال العامية على القناة التلفزيونية الرسمية الوحيدة، وخاصة في البرامج الجادة. ولا بأس إذا كان ضيف أي برنامج يتكلم العامية، ولكن المذيع أو مقدم البرنامج يجب أن يحافظ على اللغة العربية السليمة، ويحرص على مخارج الألفاظ بصورة صحيحة. والأدهى والأمرّ أنه حتى عند قراءة النص المكتوب باللغة العربية الفصحى نجد المذيع أو مقدم البرنامج يقرأه من دون تشكيل، مضيفاً له لكنة محلية مما يؤدي إلى بعض التغيير في معنى الكلمات. فلا داعي لأن يرحب المذيع بالمشاهدين في حلقة «يديدة» بدلاً من جديدة، ولا داعي أيضاً للفظ كل حرف قاف بطريقة الجيم المصرية لتكون أكثر «كويتية»، أو أكثر تقرباً من المشاهدين.

وقد يرى البعض أن هذا التغيير هو ضريبة الزمن السريع، الذي يعيش فيه الإنسان على سجيته ببساطة ومن دون تكلّف، والتغييرات تشمل نواحي عديدة من حياتنا وليس فقط استعمال اللهجة الدارجة، وأن هذا التوجه لا يقتصر على مجتمعنا في الكويت، وإنما يتعداه إلى مجتمعات عربية وأجنبية، حيث ينتشر استعمال اللغات المحكية أو اللهجات الدارجة في مختلف المجالات. وقد يكون هذا صحيحاً إلى حد ما، فعلم اللغة الحديث يعطي أهمية قصوى وأولوية لاستعمالات اللغات المحكية، ويؤكد أن حدس الإنسان بلغته الأم هو المقياس الأهم.

ولكن اللغة العربية لها خاصية تختلف عن معظم اللغات الأخرى. فليس هناك خوف من تأثير مختلف اللهجات الدارجة من المشرق العربي إلى مغربه على اللغة العربية الفصحى، فاللغة العربية هي أولاً لغة القرآن الكريم ولن تفقد مكانتها. وثانياً ان هذا الانقسام بين اللغة الفصحى واللهجات الدارجة كان موجوداً قبل الإسلام، حيث كانت كل قبيلة تتكلم بلهجة خاصة بها، ومع ذلك استمرت اللغة العربية بقوتها وصمدت بوجه اللهجات المختلفة. وكل ذلك يعود إلى تقسيم الأدوار بين اللهجة الدارجة واللغة الفصحى، فاللهجات كانت تقتصر على تبادل الحديث في الحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية وغيرها، بينما تستعمل الفصحى في القراءة والكتابة، أي في التعليم والإعلام والمناسبات الرسمية، بما يعني أن هناك تفاهماً بين اللهجة والفصحى، فلكل وظيفته وموقعه.

لماذا إذاً هذا الجزع من انتشار العامية إذا لم يكن الخوف على اللغة العربية الفصحى من الانحسار؟ هناك أسباب عديدة: أولها: الألم والمعاناة اللذان يشعر بهما محبو اللغة العربية عند سماعهم المفردات المؤذية للأذن والجارحة للروح. وثانيها هو نشوء وترعرع أجيال ليس لديها القدرة على التمييز بين مكان وزمان استعمال اللهجة العامية واللغة الفصحى، فأصبحوا يخاطبون الكبير كما الصغير، ويستعملون المفردات نفسها للتحدث مع من هو أكبر سناً وأعلى مكانة مثلما يتحدثون مع أصدقائهم ومن في مكانتهم. وثالثاً وأخيراً نرى أجيالاً لا تعرف لغتها وإرثها اللغوي وتفقد التواصل معه وبالتالي تفقد هويتها.

د. بلقيس النجار

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking