نضال الأشقر لـ «القبس»: لبنان مرثية دائمة

علي حمدان -

كنت في الثامنة من عمري، أبي يلقي نظرة أخيرة على لوحة مفاتيح الكهرباء بمحاذاة باب المدخل، وأمي تعدل تسريحة شعرها أمام المرآة، تطلب إلي مرة أخيرة الذهاب الى النوم، تحمل حقيبتها، ويخرجان لحضور أمسية شعرية لنضال الأشقر، في منتزه القرية القريب.

حزنت كثيراً لأنهما لم يصطحباني معهما يومها. أغراني الشِّعر وقتها؟ حتماً لا، لكن صوت نضال الأشقر الذي ألفت سماعه عبر الشاشات اللبنانية فعل، وكذلك التملص من النوم باكراً. الوقت المتفق عليه لإجراء المقابلة مع السيدة نضال الأشقر هاتفياً جراء تفشي «كورونا» المهول حان. قمت بطلب رقمها:

نضال: ألو

يا لوقع النبرة! ثمة عمل مسرحي كامل في صوت نضال الأشقر، الكاتبة والمخرجة المسرحية الثمانينية التي كانت قد أنهت إحدى أعمالها «كارت بلانش» بصوت قنبلة موقوتة لم تنفجر، وأُقفل الستار.

هل انفجرت قنبلة كارت بلانش؟ سألتها.

هذا صحيح، هي سنة الموت، وبالنسبة للبنانيين هي سنة التفكك الكامل. نحن نشهد انهيار كل شيء: القضاء، التربية، التعليم، الفنون، الثقافة، الاقتصاد. نشعر كلبنانيين بالوحدة، وبالموت، سواء بسبب «كورونا» او الأوضاع عامة. انفجرت قنبلة كارت بلانش بنا جميعاً بعد 40 عاماً، نعم.

على ذكر «كورونا»، كيف تمضي نضال الأشقر الـ«لوك داون»؟

«طلعنا عالجبل، كنا في بيروت»، لكن الآلام سواء داخل المدينة أو خارجها هي نفسها، بعد كوفيد وانفجار المرفأ وتدهور الليرة نعيش كلنا هذه الآلام يومياً.

أيُّ آلام؟

آلام الانهيار، لطالما علمت بأنه قادم، مسار الأمور منذ 40 عاماً أشار إليه. لكن الانفجار في مرفأ بيروت والجائحة وفشل القيادة السياسية في إدارة تداعياتهما سرّعا من حصوله، نشعر بفراغ كبير، لا أحد مسؤول عن الشعب في لبنان.

بكيت؟

طوال الوقت (تقولها ضاحكة)، حزنت كثيراً ليلة رأس السنة على الفتاة الذي ذهبت ضحية الرصاص الابتهاجي في مدينة بعلبك، حزنت على مخيمات اللاجئين التي أُحرقت وبيوت الناس «الخربانة» والفقر. لبنان مرثية دائمة. لا أمل بغد أفضل، كيف نتأمل بغد أفضل بعد انهيار كل شيء؟

يقول ويل ديورانت إن أعظم ما قدمه الإنسان لأخيه الإنسان هو الحَرْف. لبنان قدم للبشرية أثمن هدية. ماذا حل بهذا الـ«لبنان»؟

تاريخ لبنان غني. وتاريخ بلادنا العربية غني. الفرنسيون قسّموا البلاد وأعطونا أرضاً، لكنهم لم يمنحوننا استقلالاً حقيقياً، ما زالوا يحكموننا حتى الآن. لبنان انبثقت منه الحضارات والأديان واللغة. مهد الحضارات لبنان، وكذلك سوريا، الأردن، فلسطين، والعراق. لا يمكن لصورة العالم أن تكتمل من دوننا، رغم تشويهنا لتاريخنا ولبلادنا وأرضنا وجبالنا المجروفة. لم نستطع تأمين الكهرباء، الطبابة، والتعليم المجاني حتى الآن، لا نمتلك مدينة حتى! بيروت شركة عقارية. ليست مدينة.

هل ستودي التكنولوجيا بالمسرح؟

لم نكن مجتمعاً راقياً وديموقراطياً يوماً، لكننا من خلال الشكل الديموقراطي الذي اتخذناه في لبنان تمكنا من إنتاج أعمال مسرحية جميلة على مر السنين. كل جيل ساهم في صناعة مشهدية تشبهه، بعضها جميل، وبعضها أقل جمالاً، لكن المسرح استمر رغم الحروب ورغم كل ما مررنا به. المسرح تعبير، والتعبير لا يتوقف عموماً، لكن محلياً كيف لنا أن نعبّر الآن؟ وعن ماذا؟

الآن الناس يبحثون عن لقمة عيشهم. «مضروب ع راسنا». الثقافة والفن ينضجان مع الرخاء. الفنون تحب البحبوحة وراحة الفكر. في الحرب قمنا بعروض مسرحية تحت الأرض في الملاجئ، لكن الآن في ظل التفكك المجتمعي الأمر مستحيل. فنحن بالكاد نتعرّف على أنفسنا، عن ماذا نعبر؟ ناهيك عن «كورونا» الذي حرّم التجمع والتعبير المباشر عن النفس في أي مكان. نحاول الاستفادة من التكنولوجيا خلال هذه الأوقات من خلال تنظيم ندوات افتراضية مع كبار المسرحيين في العالم، الندوة الأولى كانت في مسرح المدينة مع يوجين دي باربا وطلابه في بث حي من بلجيكا، حيث تبادلنا المهارات المسرحية من خلال ورش عمل قام به يوجين للزملاء هنا تتمحور حول ثيمة «لماذا المسرح» و«لماذا الممثل».

جميلة ثيمة لماذا المسرح. لماذا المسرح؟

لأنه الاندفاعات الداخلية للممثل والمسرحي للتعاطي مع هموم الناس واهتماماتهم ودمجها مع الفلسفة. المسرح هو مدرسة شعبية مسلية، محزنة أحياناً، ومضحكة أحياناً أخرى، تتناول المشكلات الموجودة في المجتمع في إطار فني راق، سواء إيمائياً، موسيقياً، راقصاً، وغير ذلك. المسرح أب الفنون، لأنه يحوي الإنسان والمكان والزمان والكلمة والعلاج، علاج الإنسان.

أنا تأثرت بنضال الأشقر. نضال الأشقر بمن تأثرت؟

تأثرت بجون ليتلوود. علمتني جون أن المسرح طريقة حياة وطريقة وجود. الفن المسرحي ليس صعوداً على الخشبة وحسب، المسرح نظرة للحياة والكون بطريقة مبتكرة. المسرح سلوك. اللون والموسيقى والحركة والرقص والكلام والقصص والمدن والروايات، والأساطير والعمارة. هذه مدرستك التي تغرف منها لتضعها على خشبة المسرح.

● ماذا غرفت من العمارة؟

_ العمارة وجودنا وتاريخنا. عمارة بيروت دمرت. بيروت كانت عثمانية، عربية، إيطالية. لم تكن متجانسة لناحية هويتها المعمارية لكنها كانت جميلة. كانت مختلفة، كانت قريبة من القلب. هدموها وبنوا بيروت أخرى لا تشبهنا. لا قلب لبيروت، في بيروت مار مخايل، مار الياس، راس بيروت ومناطق متناثرة، لكن لا قلب لبيروت، لا جوهر لهذه المدينة.

● لمن تطرب نضال الأشقر؟

_ أسمع الشرقي والغربي، وأستمتع بالجاز. أعشق نور الهدى لا سيما عندما غنت يا جارة الوادي (وتدعوني الى سماعها). أحب صباح وفيروز ونجاح سلام وفايزة أحمد، أجمل من غنى للأم.

● لو تسنّت لك فرصة عيش حياتك كاملة بكل تفاصيلها كما عشتها، من دون تعديل شيء فيها، هل تفعلين ذلك؟

_ أنا سعيدة في حياتي وأسعد بعيشها مجدداً حتماً. أقوم بكتابة مذكراتي حالياً، سأتكلم عن بيتنا عن أمي وأبي وفكر أنطون سعادة.

● يقال «الحرية أهم من الصحة»، ما رأيك؟

_ بلا صحة لا نستطيع القيام بشيء. أتمنى الصحة للجميع والتعافي للبنان، لكن لا تسألني كيف.

● السوريون خرجوا طلباً للحرية. هل تعاطفت مع الشعب السوري؟

_ ألا نطالب نحن بالتغيير في بلدنا؟ هم طالبوا بالتغيير وهذا من حقهم. من حقهم المطالبة بحياة أفضل وبالديموقراطية.

● ماذا عن آخر كتاب قرأته؟

_ عبد الرحمن منيف أهم كاتب عربي. أقوم بقراءة كتابه أرض السواد. منيف كتب ثلاثية مدن الملح الرائعة. أرض السواد تتكلم عن العراق في القرن الـ19 حين كانت جامعات بغداد أرقى جامعات العالم في الخمسينيات. أحب بغداد كثيراً، أحب عمان، أحب بلادنا العربية كلها، أحب دمشق، المشي في شوارعها يشعرني بالراحة.

-..والكويت؟

_ أحترم الكويت كثيراً. الكويت حافظت على وطنيتها وعروبيتها وقوميتها. الكويت مكوّن مهم في المنطقة. وبالرغم من كل التحولات السياسية الحاصلة لم تنحرف الكويت عن المسار الحق. وفي الكويت مسرح وفنون وكثير من الموسيقى. لكن للأسف المسرح العربي لم ينفتح على بعضه بعضاً. العالم العربي مشرذم، لا دورة حضارية بيننا. كان علينا عرض أعمالنا كفنانين ومسرحيين عرب على بعضنا لنتفاعل وننمو.

• «صار وقت غدا»، أقول للسيدة نضال، يجدر بي إنهاء الاتصال، لعلّك تريدين دخول المطبخ الآن؟

_ أحب الطهي كثيراً، أرتاح وأسعد بإطعام من أحب، والطهي فن، كالعمارة وغيرها. لكنني لن أطبخ اليوم، لدينا «مخلوطة خضار» من البارحة.

أنهت سيدة المسرح حديثها ضاحكة، مثل زوربا الذي قهر البؤس بالرقص، وكنفسها، يوم توجهت عام 1969 من مسرح البيكادلي في بيروت إلى مقهى «هورس شو» المجاور، حيث استكملت بين طاولاته مسرحية «مجدلون» بعد أن دخلت القوى الأمنية ومنعت استكمال العرض على الخشبة لأسباب سياسية حينها.


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking