تلقينا، ككثيرين، بيان غرفة تجارة وصناعة الكويت ببالغ الاهتمام لما أوجزته من تشخيص وما أرسته من حلول لوضعنا الاقتصادي، الذي برأينا لا يمكن أن يتزحزح قيد أنملة من غير إصلاح سياسي، فالمرحلة حرجة ومعقدة، ليس لأننا غير قادرين على تفكيك خيوطها المتشابكة بالداخل، بل لأننا لا نملك القوة على تحريك قواعد اللعبة إقليمياً ودولياً، قبلنا أم لم نقبل، رضينا أم ارتطمت جماجمنا بعرض الحائط، سنميل حيثما الريح تميل.

لقد كان في بيان الغرفة دبلوماسية هادئة، رغم تاريخ العنفوان السياسي لقيادتها الحالية، حيث تركت وبكل سعة صدر للجميع أن «يعدل في مضمون هذه الورقة»، التي جاءت بعض الانتقادات غير المهنية لها ممن لم يقرؤوها وقفزوا إلى انتقاد الغرفة وليس لورقتها، وحيث إننا نؤيد الكثير مما جاء فيها من إجراءات اقتصادية مستحقة الإقرار والتطبيق، فسننتقل للحديث عما قد نغاير به وجهات النظر التي جاء فيها، على سبيل المثال، أن «الغرفة في ورقتها لا تحاول أن توزع مسؤوليات الأخطاء والخطايا أو توجه اتهامات القصور والتقصير»، لنقول للغرفة إن أي خطوة للأمام من دون تحديد المسؤولين عن الفساد لا يمكن أن تؤتي ثمارها ما لم يتم استئصالهم كي لا يعودوا لإدارة رحى الإصلاح بالاتجاه الخطأ الموازي لدفة مصالحهم؟ فأي محاولة لمعالجة ما وصفته الغرفة من تردي الخدمات العامة والبنية الأساسية المؤسسية - ونضيف لها تردي البنية التحتية - وتضخم الإنفاق العام وتراجع مستوى التعليم، وما ذكرته من اختلالات هيكلية متمثلة بضيق القاعدة الإنتاجية وانحراف التركيبة السكانية وهيمنة القطاع العام، وخاصة بالقطاع النفطي، لا يمكن معالجته من دون قطع أيادي الفساد وسرّاق المال العام! فالغرفة بما تملكه من إمكانيات ومعلومات قادرة على إصدار تقرير ملحق لبيانها تفصّل فيه أوجه الفساد وطرق محاربته معززه بإحصائيات وبيانات تفصيلية جنباً إلى اقتراحاتها للإصلاح وخطوات تنفيذها، لأننا لا يمكن أن نبني حضارة ترسخ أساساتها على قاع من الوحل.

لقد ألقت الغرفة اللوم على الأفراد، بجانب السطلة التنفيذية والتشريعية، في تعقيد أزمة الحرية والإصلاح والتنمية لإصرارهم على العصبية والمصالح بدل الكفاءة وانحيازهم لرعوية الدولة، وهي محقة، إلا أنه لا يمكن أن نعلق ذلك على شماعة سوء تدبير الشعوب ما لم ندن إخفاق السلطة التنفيذية في تطبيق سيف العدالة، على الأفراد والجماعات، الذي استقامت تحت سطوته أكثر الشعوب عنصرية كالأميركان والأوروبيين، فسلطتنا التنفيذية ليست متراخية فحسب، بل وأراها كما لو كانت مستفيدة، وإلا كيف تسمح لنواب بالجلوس بقاعة عبدالله السالم، وهم نتاج انتخابات فرعية علنية موثقة بالفيديو يجرمها القانون، بل وصوتت لمصلحتهم في مناصب المجلس ولجانه؟

إن اقتراح الغرفة بإعادة النظر ببعض القوانين وإعادة تسعير ايجارات أملاك الدولة، وخاصة الخدمات وهيكلة الدعوم اللتين نعتبرهما الباب الخلفي لفرض الضرائب وأمراً ممكناً وغاية في الأهمية، غير أن إقرار الضرائب بشكل مباشر على الأفراد لنتحول من رعوية إلى ضريبية أمر سابق لأوانه ما لم ير المواطنون على أرض الواقع حلاً لهدر المال العام وجرائم الاستيلاء عليه وغسل الأموال، مما يجعل الضريبة غير قابلة للتطبيق في المرحلة الأولى إلا على شركات القطاع الخاص ومؤسساته.

إن الغرفة ليست كياناً اقتصادياً فحسب بل وسياسياً بثقل مؤسسيها وتاريخهم، لذا يجب أن يكون لها دور واضح في إعادة رسم المشهد السياسي بعد استقالة الحكومة الأخيرة، كما عليها أن تبدي رأياً واضحاً بما حدث بجلسة افتتاحية مجلس الأمة، وما صاحبها من غوغائية اجتثت كل الأسس التي يمكن أن نبني عليها ديموقراطية فعلية لم نصل إليها حتى الآن، كانت قد بدأت ملامحها منذ مجلس الشورى 1921، أي قبل مئة عام، بمعنى آخر هناك برأينا مسؤولية سياسية كبيرة، وليست اقتصاديه في هذه المرحلة، تقع الآن على عاتق الغرفة.

***

إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

بدر خالد البحر

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking