تتبع الدول الصغرى استراتيجيات متعددة في سياستها الخارجية لحماية أمنها القومي ووجودها كهدف رئيسي لها، ومن ثم تحقيق باقي أهدافها المتنوعة في ظل ضمان الوجود والحماية. وتتنوع هذه الاستراتيجيات ما بين الانخراط في تحالفات مع دول كبرى خارجية، أو تشكيل تحالفات مع مجموعة دول أخرى صغيرة، أو التحالف مضطرة مع الدول المهددة لوجودها، أو اتباع ما يسمى «التحوط الاستراتيجي»، وأخيرا برزت استراتيجيات القوة الناعمة والذكية كآليات فعّالة في السياسة الخارجية للدول الصغرى.

وقدر الله للكويت منذ تأسيسها أن تحاط بإقليم شديد الاضطراب تدار حوله صراعات إقليمية ودولية شرسة بفضل ثروته النفطية الضخمة وموقعه الجغرافي الفريد. ليس هذا فحسب، بل قُدر للكويت أيضا أن تكون محاطة بقوى إقليمية مهددة لوجود الكويت ذاته لديها أطماع واستراتيجيات مذهبية وجيوسياسية معلنة في الكويت.

إن تفضيل الدول الصغرى لاستراتيجية محددة عن غيرها يتوقف على عوامل متعددة، على سبيل المثال، منها خطورة القوى الخارجية المهددة لوجودها، أو تفضيلات ورؤى القيادة السياسية. وفي الأغلب الأعم، تفضل الدول الصغرى ما يسمى تحالفات التوازن الخارجي مع قوة إقليمية أو كبرى لردع أطماع وتهديدات القوة المهددة، كحال أغلبية دول شرق آسيا بتحالفها العسكري مع أميركا للتصدي للتهديد الصيني.

وتتفرد الكويت منذ نشأتها عن غيرها من الدول الصغرى في النظام الدولي باتباع نهج متوازن في سياستها الخارجية تحاول أن تجمع فيه جميع خصال هذه الاستراتيجيات المتنوعة مجتمعة.

وإن كان هذا بالأمر الصعب للغاية، لكن قد تحقق على ارض الواقع، بفضل، أولا - الرؤية الثاقبة لقيادة الكويت التي وعت جيدا ضرورة التوازن والتنوع في الاستراتيجيات في ظل هذا المشهد الإقليمي المعقد والمتغير باستمرار.

وثانيا، بفضل، النموذج المنفتح والتعددي الداخلي للكويت الذي رسّخه قادة الكويت، واصبح بمنزلة مرشد لسياسة خارجية أكثر اعتدالاً وتوازنا للكويت.

مظاهر هذا التوازن متعددة للغاية، أهم هذه المظاهر وهو المتعلّق بوجود وحماية الأمن القومي للكويت؛ والمتمحور حول عدم اكتفاء الكويت - كغيرها من أشقائها الخليجيين - بالتحالف العسكري مع واشنطن ضد القوى الإقليمية المهددة للكويت، وأقصد تحديدا إيران، بل أقامت الكويت بالتوازن مع هذا التحالف جسورا قوية من الروابط الاقتصادية والسياسية مع إيران، بحيث يتم تحييد الكويت عن أي تصعيد بين واشنطن وطهران في الخليج. على صعيد آخر، نجد أن الكويت عبر حكيمها سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد - طيب الله ثراه - قد بنت شبكة علاقات استراتيجية مع جميع القوى الدولية الصاعدة في المنطقة والعالم وبالأخص روسيا والصين اللتين ترتبطان بتحالفات استراتيجية مع إيران.

أحد المظاهر المهمة لنهج الكويت المتوازن والذي برز ما يسمى «الربيع العربي» هو توظيف الكويت لقوتها الناعمة المستمدة من نموذجها الداخلي الليبرالي الفريد، في دفع مركزها الإقليمي والدولي كوسيط دولي لحل الأزمات الدولية، وهذا برز في الأزمتين اليمنية والخليجية.

الحديث عن مظاهر النهج المتوازن للكويت يحتاج إلى عشرات الكتب، لكن ما يمكن استخلاصه من التجربة الكويتية أن النهج المتوازن قد رفع اسهم الكويت من مجرد دولة تسعى للحماية، إلى دولة تتولى زمام المبادرة الإقليمية، ومركز ثقل اقتصادي وسياسي عالمي يوفر لها الحماية والأمن بفعالية كبرى عبر شتى السبل.

نورة صالح المجيم

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking