كوفيد يبني جسر الروبوتات إلى أسواق العمل

علي حمدان

لطالما اعتبرت القوى العاملة والنقابات انخراط الروبوتات في المصانع والمناجم وغيرها من الوظائف العدو الذي يجيّر فرص العمل المتاحة للبشر إليه، لكن جائحة كورونا أدت بشكل غير مباشر الى الاستعانة بالأتمتة (التشغيل الآلي) في القطاعات الصناعية والعلاجية وغيرها بشكل أكبر لما لها من فائدة على صعيد تفادي نقل العدوى بين الأفراد وتخفيض وطأة تفشي الفيروس التاجي، بالرغم من المخاطر التي ستترتب عنها على العمال حول العالم، بحسب مقالة نشرتها بلومبيرغ.

مع تكاثر التكهنات بانهيار الاقتصاد العالمي وعجز المصانع في الصين وغيرها عن الاستمرار في إنتاجها إبان ظهور فيروس كورونا، سارع منتجون الى الاعتماد على الأتمتة للحفاظ على سيرورة عمل مصانعهم ومستوى صادراتها، وفق بلومبيرغ، التي تتوقع توسعاً في نطاق عمل الروبوتات شيئاً فشيئاً في بيئات العمل في المقبل من الأيام.

الصمود البشري

توجه أصحاب العمل نحو أتمتة الأيدي العاملة يثير قلق الأفراد حيال مستقبلهم المهني في كل المجتمعات، فالكثير من هؤلاء خسروا وظائفهم لمصلحة الروبوتات، كما حصل مع عمال أحد المصانع الـ500 في ولاية بينسلفانيا الأميركية، الذين استغني عن خدماتهم في الـ2020 في أوج تفشي كوفيد-19 واستبدالهم بعمال آليين الى الأبد.

في هذا الصدد، تشير مقالة بلومبيرغ الى دراسات إحصائية تؤكد امتناع المؤسسات التي عمدت الى صرف موظفين خلال فترة الوباء واستبدلتهم بالروبوتات عن إعادة تشغيلهم، بالرغم من مرور الوقت الذي أدى الى التعايش نوعاً ما مع الفيروس وفهم سبل تلافيه وعلاجه.

الوظائف التي تتطلب مهارات إبداعية استثنائية ستصمد، فيما مهن كالتعليم والطهي قد تتهاوى أمام ثورة الأتمتة، يقول مارك سبايسي، الأكاديمي والاقتصادي الأميركي لبلومبيرغ. أحد سبل تعزيز الصمود البشري أمام غزو التكنولوجيا هو استثمارنا في أنفسنا عبر العمل على صقل مهاراتنا وابتكارنا لأنشطة لا يمكن للروبوتات القيام بها لا سيما في قطاعات كالصحة العصية حتى الآن على الأتمتة التامة، بالرغم من إستخدام دول كالصين للرجل الآلي من أجل الكشف عن المصابين بالفيروس بشكل سريع عبر حسّاسات تمكنه من قياس درجة حرارة المحيطين به عن بعد خلال برهات.

تحديث مهارات اليد العاملة البشرية وتمكينها هو ما يعتزم الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن تطبيقه عبر سياسيات عامة تعمل إدارته على حياكتها للحؤول دون مكوث هؤلاء في منازلهم، لكن ذلك لن يتحقق بسرعة، بل يتحتم علينا الانتظار لسنوات قبل معاينة نتائج ملموسة.

سياسات احتوائية

لكن الولايات المتحدة الأميركية وتشيلي والمكسيك وغيرها من الدول التي أعلنت نيتها انتهاج سياسات احتوائية لظاهرة استبدال الإنسان بالآلة في سوق العمل تنفق بمحدودية على تنفيذ برامج الحد من تداعيات الأتمتة، بسبب تركّز جهودها وميزانياتها على قضايا ملحة وآنية كالجائحة المستمرة والتغيرات المناخية وغيرها.

في الأعوام القادمة سنشهد المزيد من الأتمتة، تقول الصحيفة، كما ستزداد ظاهرة انقسام الموظفين الى فئتين، أولى تضم العاملين من منازلهم من خلال الحواسيب، وثانية تضم آخرين منخرطين في العمل الميداني على الأرض للملمة ذيول الأحداث الخطيرة وغير المألوفة كالكوارث الطبيعية والأحداث الأمنية وغيرها، مما سيعود بالفائدة على المديرين وأصحاب المهارات المميزة الذين سيتمكنون من العمل وكسب المال من جهة، وتهميش العمال العاديين والحرفيين الذين شكلوا منذ الثورة الصناعية أعمدة الاقتصادات حول العالم من جهة أخرى.

الاعتماد على الذكاء الاصطناعي

على صعيد متصل، من شأن فيروس كورونا، وغيره من الأوبئة في حال بروزها أن تفضي بنا الى المزيد من الاعتماد على الآلة والذكاء الاصطناعي، بحيث يمكننا الذهاب الى المحال لشراء السلع بأريحية والتعامل مع روبوتات تقينا من الإصابة بالعدوى، إلا أن دخول الروبوتات لقطاعات خدماتية كالفنادق والمطاعم من شأنه دق ناقوس الخطر لناحية مصير العمال، وبالتالي ارتفاع نسب البطالة، مما سيؤدي، برأي سبايسي، الى تقلص إيرادات الحكومات من الضرائب التي تفرضها على مداخيل مواطنيها مثلاً.

كيف ستواجه الحكومات هذه الثغرة؟

يتساءل الأكاديمي في جامعة شيكاغو: من جهة أخرى يأتي غزو الآلة للقطاعات الاقتصادية والإنتاجية وخسارة العمال لوظائفهم جراء ذلك بالتزامن مع تراجع ملحوظ في إنتاجية الأفراد في قطاعات متعددة، حسبما وثقته دراسات أجريت على مدى السنوات الماضية، فهل سيؤدي التنافس مع الروبوتات الى تحفيز اليد العاملة البشرية وإعادة إمساكها بزمام المبادرة، وبالتالي الصمود أمام الخصم التكنولوجي؟ يقول سبايسي مختتماً مقاربته للأتمتة.

الذكاء الاصطناعي والأتمتة يفرزان المزيد من اللا-مساواة بين الأفراد ويسببان تضاؤلاً إضافياً في فرص العمل، لا سيما في الاقتصادات الكبرى كالولايات المتحدة والصين وغيرها في أوروبا، ولا يمكن احتواء تداعيات تسلل الروبوتات الى سوق العمل إلا من خلال مقاربات حكومية شاملة تعمل على دمج تكنولوجي حميد مع يد عاملة بشرية متمكنة ومتمايزة يصعب الاستغناء عنها.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking