ذكر المؤرخون أن الكويت مرت بحقب عدة، ومراحل تاريخية فارقة؛ فنشأة الكويت الأولى تعد انطلاقة الدولة الكويتية الأولى. واعتبرت مرحلة حكم الشيخ مبارك الصباح، رحمه الله، الفارقة في التاريخ الكويتي (الدولة الكويتية الثانية). وبصدور دستور 1962، ولجت الكويت مرحلةَ الدولة الكويتية الثالثة. وتعد مرحلة ما بعد تحرير دولة الكويت من الغزو العراقي الغاشم إلى يومنا هذا مرحلة الدولة الكويتية الرابعة.

جميع تلك المراحل تعد علامات فارقة في التاريخ السياسي الكويتي؛ بعضها يحمل مضامين إيجابية والبعض الآخر سلبية، تعاظمت فيها، وبالأخص في العقود الأخيرة، صور التراجع الحضاري العام، مما يتطلب معه تعزيز الإيجابي منه والسعي لمعالجة السلبي منه بفكر متطور وبناء مؤسسي حكيم ومتين يضمن التقدم الديموقراطي والحضاري والنهضوي تمهيداً لقيام الدولة الكويتية الخامسة!

من المشاهدات المهمة في المرحلة القائمة بروز ظاهرة الملل السياسي لقطاعات كبيرة في المجتمع، وبالأخص الشبابي والنخب والتيارات السياسية، من تكرار المناشدات بالإصلاح وتكرار لعن الظلام و«عمك أصمخ»! وفقدت أغلبية المجتمع الثقة المفترضة للحكومات المتعاقبة بنجاحالخطوات والقرارات ذاتها في التعاطي مع معالجة أزمات الشأن السياسي، الذي تكررت فيه النتائج ذاتها من الفشل والتراجع العام، وخير مثال على ذلك ما حدث هذه الأيام ما بين مجلس الأمة والحكومة من تأزيم كبير ومن تكرار طرق التفكير للخروج من الأزمة القائمة، وأيضاً ما نشهده من تراجع عام في المجتمع للمثل القائل «الله لا يغير علينا»، بل في المقابل شهدنا تقدم البعض كردة فعل للوضع السياسي العام من خلال مجاميع تدعو إلى التغيير والتطوير السياسي، منها ما هو حصيف وحكيم، ومنها ما هو متهور ومندفع.

إن بقاء الأسس والآليات السابقة ذاتها في إدارة الدولة ونظامها الدستوري والسياسي لن يحقق التطور والتقدم المنشودين من تحقيق الرفاهية وتعزيز المشاركة الشعبية والعدالة والحريات العامة ويسهم في القضاء على صور الفساد، بل إن صور العلاج المستخدمة سابقاً بإصدار القوانين أو صور المعالجة والسياسة الجزئية القائمة منذ سنوات بمنزلة إبر بنج لجسم مريض وضعيف لا يقدر على النهوض أو الرؤية أو التحرك أو تحقيق الأهداف المنشودة.

إن هدف الدولة الكويتية الخامسة ليس أضغاث أحلام، أو أمنيات لا يمكن تحقيقها أو هلوسات بلا عقل أو اتزان، إنها دولة فكر فيها المؤسسون لدستور 1962 وحلموا أن يصل إليها الكويتيون في مستقبل الزمان، إنها خلاصة التجارب الناجحة لدول وشعوب العالم المتقدم ديموقراطياً وإدارياً ومجتمعياً، إنها دولة هدفها إيجاد وتمكين الإدارة الرشيدة في السلطات الدستورية، مبدأها القيام بتطوير النظام الدستوري الجامد من دون انتقاص من حريات الشعب الكويتي وصلاحياته، ملامحها قيام الهيئات السياسية بضوابط محكمة، ونظام انتخابي يكفل وجود قوائم وبرامج انتخابية يمكن تنفيذها وقياسها وتقييمها على أسس سليمة، ورئيس وزراء ووزراء وقيادات في الدولة يتم اختيارهم وفق ضوابط الحوكمة والإدارة الرشيدة، وقضاء إصلاحي مستقل، وأجهزة رقابية تمارس دورها من دون انتقاص أو ضعف، وتعليم متطور يستثمر فيه بنجاح لخلق أجيال مسؤولة قادمة.. إلخ.

إن التغيير الإيجابي نحو قيام الدولة الكويتية الخامسة في إطار توافقي هو ما ينشده الجميع، فبقاء الحال ليس حلاً وتكرار السابق تكرار للفشل، والكويت وأهلها يستحقون الأفضل.

د. محمد حسين الدلال

[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking