كتب أحد الكتّاب الصحافيين مقالاً فكاهياً، يمثّل فيه وصفاً سياسياً معيّناً، يعيشه أحد البلدان.. وقد وصف الوضع بعربة تجرها الخيول قابعة على حافة الطريق، يجلس على مقدمتها طفل صغير يهز يديه بإشارات تشبه حركات سائق السيارة حين يدور مقود سيارته عند السير بها في الطريق، ثم يطلق الطفل من فمه أصواتاً كالأصوات التي يصدرها عادم السيارات الخلفي.

يقول الكاتب في مقالته إنه سأل ذلك الطفل عن ماذا هو راكب؟.. رد الطفل، قائلاً: هذه سيارة أبي التي نعيش من ورائها ــــ أمي وأبي، وأنا ــــ يخرج بها والدنا يوميا للسوق لنقل البضائع مقابل أجر يشتري لنا به الطعام.

يقول الكاتب، سألته: ولكن هذه العربة كما ترى لا عجلات لها كما ينبغي، كما أنها لا تحتوي على ما يشير إلى أنها صالحة للسير والعمل في الأسواق!! فردّ الطفل، قائلاً: يا عم عربة والدي هذه عربة (وضعية) ثابتة في الأرض بأمر مولاها، لا تتحرك إلا بإذنه، ويأتيها رزقها بناء على النية الصافية التي يحملها أبي.. ألم تسمع من يقول: (على نياتكم ترزقون)؟!

فقلت له: يا ولدي، هذا الأمر مستحيل، لا يمكن لوالدك أن يحرّك هذه العربة إلا إذا أضفتم إلى هيكلها الأجهزة الميكانيكية اللازمة والعجلات القوية لحملها على السير.

يؤكد صاحبنا الكاتب أن الطفل قد رد بعفوية تامة، قائلاً: هناك يا عم الكثير من الأجهزة الإدارية المصيرية التي تعلق عليها الشعوب الآمال في تحقيق الأماني والمستقبل الزاهر للأوطان وللشعوب تسير بأجهزة عاطلة لم تزِدها إلا تعاسةً وتأخُّراً. وعلى سبيل المثال، هناك في بلادنا أجهزة يدعي كل العاملين فيها العبقرية، وان كل واحد منهم من الحكماء القلة المتمرّسين في العلوم السياسية ومعرفة كل الوسائل والطرق التي تؤدي بالبلدان إلى السير قدماً نحو الازدهار، والرقي في الوقت الذي ليست لهؤلاء المدعين خلفية سياسية اجتماعية علمية، وليس بيدهم المصباح الذي ينير لهم الطريق إلى ما يدعون لتحقيقه.

ونتيجة لهذة الادعاءات الفارغة أغرقوا البلاد بالافتراءات التي لم تجنِ البلاد من ورائها شيئا، بل إن هؤلاء المدعين استطاعوا ــــ بطريقة ما ــــ كسب المال الوفير.

يا عم، والحديث للطفل: دعنا ألا نتحدث عن الذين من لا أساس لهم، الذين تمكنوا من أن يصلوا ليدخلوا من الأبواب فقراء، ويخرجوا منها أغنياء من أصحاب الملايين.

بعد هذا الحديث الشيّق، توقف الطفل الصغير ليقول لي: يا عم سأقود عربتي المتهالكة هذه يوماً ما، بعد أن أُتمّ إصلاحها بيدي لأسحق بها كل هؤلاء الدخلاء، وسألقي بهم ــــ بعون الله تعالى، ثم بعون قادة بلادي المخلصين ــــ في سلة المهملات.

محمد سالم البلهان

سفير سابق

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking