دراسة «مركز طروس»: السياسة الخارجية الكويتية وتطوراتها.. أصالة الماضي ونجاحات الحاضر

تُعرّف السياسة الخارجية لأي دولة؛ بأنها خطوات العمل العلنية التي يختارها ممثلو الدولة الرسميون، من بين مجموعة من البدائل أو الخيارات المتاحة من اجل تحقيق أهداف محددة في المحيط الخارجي، وهي تمثل سلوكيات «صانع القرار» الرسمية في الحكومة وأشباهها والتي يراد بها تحديد سلوك الدولة الخارجي ككل.

ونظرا لأهمية فهم التفاعلات بين الدول، باتت السياسة الخارجية من أهم مجالات البحث في العلاقات الدولية، حيث انه من خلالها تتبلور العلاقات، ومن خلالها تُعرف التوجهات الخارجية للدول في علاقاتها، كما تفسر أسباب تبلور السياسة الدولية في انماط مختلفة في النسق الدولي، من دون نسيان ما يمنح تحليل السياسة الخارجية للدول من كشف وفهم الاستراتيجيات القومية للدول تجاه بيئاتها الخارجية، وينطبق ذلك على كل الدول، الكبرى أو الإقليمية ويمكننا من معرفة مدى نفوذها وحجم ادوارها الخارجية، كما يمكننا كذلك من معرفة أسباب ضعف أدوار دول أخرى.. حيث ان قوة السياسة الخارجية للدول تخضع لطبيعة محدداتها ومبادئها الأساسية.

أولاً: السياسة الخارجية الكويتية

تميزت سياسة الكويت الخارجية بالنزوع نحو الاعتدال والتوازن، وفق الدستور والقرارات الرسمية للدولة منذ استقلالها عام 1961، حيث سعت الإمارة إلى الانفتاح والاتصال مع العالم بخطوات محددة تحقق السلم والأمن الدوليين، في ظل صداقة مشتركة مع الدول الساعية للسلام، وهذا ما يؤكده إنشاء وزارة للشؤون الخارجية في عام الاستقلال ذاته، تحولت لاحقاً إلى وزارة الخارجية الكويتية.

الكويت عضو في مجلس التعاون الخليجي، وقوة فاعلة في حلف درع الجزيرة، كما أنها أحد أعضاء الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة، وأصبح للإمارة تمثيل دبلوماسي متبادل مع معظم دول العالم، عدا إسرائيل.

ولفهم مفتاح السياسة الخارجية الكويتية، يمكن القول: إن علاقة الإمارة المضطربة مع الجار العراقي شكّلت جوهر تلك السياسة منذ الاستقلال الذي شهد مشكلة عبدالكريم قاسم.

حينها واجهت الدبلوماسية الكويتية - للمرة الأولى - مشكلة رئيسية عندما ادعى قاسم تبعية الكويت للأراضي العراقية، لتطلب الكويت المساعدة من المملكة المتحدة (بريطانيا)، رداً على الادعاءات العراقية، كما قدّمت قضيتها أمام الأمم المتحدة، محاولة منها للحفاظ على سيادتها.

في وقت لاحق، انسحبت القوات البريطانية، لتحل قوات من جامعة الدول العربية مكانها، ثم سُحبت في عام 1963 بناء على طلب الكويت.

وكان يوم الـ 2 من أغسطس (آب) 1990 يوماً مفصلياً وتاريخياً في حياة الكويت وسياستها، حيث غزا العراق الكويت، مما زاد من حدة التوتر بين هاتين الدولتين وقطع العلاقات لفترة تفوق العشرين عاماً.

ثم بدأت - بعد جهود دبلوماسية - الأعمال العسكرية ضد العراق لتحرير الكويت، حيث شاركت بعض الدول العربية، خصوصاً الأعضاء الخمسة الآخرين في مجلس التعاون الخليجي (المملكة العربية السعودية، البحرين، قطر، سلطنة عمان، والإمارات العربية المتحدة)، ومصر، وسوريا، بدعم الكويت من خلال إرسال قوات للقتال مع التحالف، كما أرسلت العديد من الدول الأوروبية وشرق آسيا القوات والمعدات، والدعم المالي.
جهود دبلوماسية

بعد تحرير البلاد، حوّلت الكويت الجهود الدبلوماسية والتعاونية بشكل أكبر نحو الدول التي شاركت في التحالف المتعدد الجنسيات، كما عملت جاهدة لتأمين حلفاء في جميع أنحاء العالم، لا سيما مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية.

كما عقدت الدولة ترتيبات دفاعية مع دول كبرى، كالمملكة المتحدة، وروسيا، وفرنسا، وأيضاً لحقت بها علاقات وثيقة مع غيرها من الدول العربية من الأعضاء الرئيسيين في ائتلاف حرب الخليج، مثل مصر وسوريا.

هيمن لفترات طويلة على السياسة الخارجية الكويتية الاعتماد الاقتصادي على النفط والغاز الطبيعي، كنتيجة حتمية لوضع الإمارة نفسها كدولة نامية، لكن طرحت في البلاد مشاريع جدية لتخفيف الاعتماد على تلك الموارد.

أ - مبادئ أساسية

يمكن تحديد النقاط الأساسية في سياسة الكويت الخارجية وفق البيانات الرسمية بمبادئ محددة تشتمل على:

احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع الحفاظ على حسن الجوار، والمحافظة على الأمن والسلم الدوليين، مع التمسك بالشرعية الدولية وأسس القانون الدولي.

كما تدعو الكويت في سياستها الخارجية إلى حل وتسوية النزاعات بين الدول عبر الحوار والطرق السلمية، في ظل سعي حثيث إلى تحقيق أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

ب - أهداف رئيسية

للسياسة الخارجية في دولة الكويت جملة من الأهداف والغايات تعمل على تحقيقها، ويأتي على رأسها:

تأمين وحماية مصالح الكويت السياسية والأمنية والدفاعية، ثم العمل على حماية المصالح الخليجية والعربية والإسلامية.

العمل على تعزيز مسيرة مجلس التعاون الخليجي، مع السعي إلى تعزيز التعاون والتضامن العربي - العربي.

تسعى سياسة الدولة الخارجية إلى رعاية مصالحها ومواطنيها في الخارج.

من ضمن الأهداف، الالتزام بالشرعية والقرارات الدولية، إضافة إلى دعم الجهود الدولية الرامية إلى إقرار السلم والأمن الدوليين.

تعتبر الوساطة في حل الخلافات الإقليمية والدولية بين الأطراف المتنازعة من ضمن الغايات التي تعمل سياسة الكويت الخارجية عليها، مع العمل على إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.

تسعى السياسة الخارجية إلى إبراز الدور الإنساني المشرق لدولة الكويت، وتقوم على تقديم المساعدات الإنسانية للدول المنكوبة والمحتاجة.

كما يعتبر تعزيز الوجود الدبلوماسي الكويتي في الخارج، مع العمل على تفعيل الدبلوماسية الإنسانية والوقائية، من الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية للبلاد.

ثانياً: المشهد الحالي

مرت السياسة الخارجية الكويتية بأزمة فعلية تتمثل في الغزو العراقي الغاشم لنظام صدام حسين قبل ثلاثة عقود. وعلى الرغم من مرارة الأزمة وصعوبة التجربة، فإنها أثبتت نجاعة سياسة الحياد الإيجابي وبناء العلاقات المثمرة مع مختلف بلدان العالم وعلى المستويين العربي والإسلامي. ولا أدل على ذلك من سرعة الإدانة لعملية الغزو من قبل أغلب بلدان العالم، بل وتشكيل تحالف دولي لدعم الحكومة الكويتية في تحرير البلاد.

والنقطة الأهم هي مرحلة ما بعد الغزو، التي لم تركن فيها الكويت إلى االجراح الداخلية، بل عملت على تجاوز آثار المأساة من دون أن تسمح لها بحرفها عن مبادئها أو أهدافها، فاستمر العمل الإنساني ودعم سياسة الوساطة والسعي لنشر السلم الدولي.

وهنا لا يمكن نسيان الدور الأبرز لصانع سياسة الكويت الخارجية، الأمير الراحل المغفور له الشيخ صباح - طيب الله ثراه - الذي تولى الوزارة منذ الاستقلال حتى تسلمه رئاسة الوزراء في 2003، واضعاً أسس الدبلوماسية الكويتية ومنهج عملها وأهدافها التي شهد لها الجميع، وهذا ما يفسر التساؤلات الكبيرة حول بقاء سياسة البلاد الخارجية بعد وفاة المغفور له؛ نظراً لما مثله الشيخ صباح للكويت ودبلوماسيتها فأضحت الكويت حمامة سلام في المنطقة والعالم والأمير الراحل «أمير الإنسانية».

أ - نموذج الوساطة والحياد والدعم الإنساني

نظراً لنجاعة سياستها الخارجية وثبات مبادئها، أصبحت دولة الكويت الوسيط الأكثر قبولاً في حل الخلافات الإقليمية والدولية.

فالكويت نموذج متميز بين الدول الإقليمية، تُعزز الأمن الإنساني في مختلف مناطق العالم. وتسعى السياسة الخارجية الكويتية في محيطها الإقليمي إلى تحقيق التوازن الاستراتيجي وفق الدراسات المختصة.

وتتمتع الكويت وسياستها الخارجية بالعديد من المقومات الفاعلة، كما تكمن أهميتها كونها ذات دبلوماسية اقتصادية، جعلتها في خدمة البعد الإنساني وجهود التوسط في الأزمات، لذلك وجدنا الكويت تسرع في مساعدة المجتمع الدولي على مواجهة الكوارث الطبيعية.. كما تشارك في علاج مشاكل الفقر والبطالة في الدول النامية.
حل النزاعات

وتستخدم الكويت جهودها في حل النزاعات عبر الطرق السلمية، حيث تسعى إلى تخفيف معاناة الشعوب في مناطق الصراعات والنزاعات والأزمات، منادية بتفعيل مبادئ هيئات حقوق الإنسان الدولية. هذا وحظيت مناطق الصراع في المنطقة والعالم باهتمام خاص من المغفور له الأمير الراحل، الذي حرص على تقديم المساعدات لدعم اللاجئين والمتضررين من الحروب، إضافة إلى دور الوسيط في عمليات السلام.

وفي مستويات موازية، تدعم الكويت عبر سياستها الخارجية جهود مواجهة الأمراض والأوبئة العابرة للحدود، وتطالب بالحفاظ على البيئة ومكافحة أشكال التلوث.
مساعدات إنسانية

في أبرز مؤشر على التزام الكويت بقيادة المساعدات الإنسانية في الخليج والمنطقة؛ استضافت البلاد مؤتمراً كبيراً للمانحين في شهر فبراير (شباط) عام 2018، جرى فيه التعهد بتأمين 30 مليار دولار لمساعدة العراق، الجار الذي سبب مأساة سابقة للكويت، ولا يمكن نسيان ولاء الكويت المتواصل - شعباً وحكومة، سياسة ومبادئ - للقضية الفلسطينية على الرغم من قطار التطبيع مع إسرائيل.

وقبل أشهر.. أطلق فلسطينيون في قطاع غزة اسم الشيخ «صباح الأحمد» على أحد الطرقات الرئيسية لجهوده المستمرة في إغاثة الشعب الفلسطيني ودعم حقوقه المشروعة في إقامة دولته المستقلة.

وهنا نستذكر أحد المواقف الإنسانية للكويت، حين قدمت مبلغ 200 مليون دولار لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية على غزة في صيف عام 2014، التي نتج عنها استشهاد نحو ألفي فلسطيني وإصابة 11 ألفاً آخرين بجروح مختلفة، وتدمير نحو 11 ألف وحدة سكنية كلياً و162 وحدة دمرت بشكل جزئي.. كما قدمت الكويت عام 2013 أكثر من 130 مليون دولار لدعم اللاجئين السوريين.

ب - دور القائد

أصبحت الكويت نموذجاً فعلياً للدول الساعية والمحافظة على الأمن الإنساني وفق مؤشرات عديدة وتقارير مختصة، فأميرها الراحل قائد الإنسانية وعاصمتها أصبحت من المراكز الرئيسية للعمل الإنساني العالمي.

وفق تأكيدات التقارير المختصة، فإن دور وتأثير القائد السياسي كبير ومتزايد في تأصيل ودعم الأمن الإنساني، كحالة المغفور له الشيخ صباح الأحمد، حيث ساهم تدرج القائد في العمل السياسي الداخلي ثم الخبرة الخارجية في توجيهه لاتخاذ القرارات الحاسمة.

وأضحى المغفور له سمو الأمير الراحل أنموذجاً للقائد، وصانع سياسات خارجية إنسانية، فقد تدرج في المناصب منذ توليه وزارة الخارجية منذ عام 1963 ثم رئيسا للوزراء منذ عام 2003 وحتى عام 2006، عندما أصبح أميراً للبلاد، كما أن التتابع والتغيير في المناصب السياسية المختلفة لسنوات طويلة أكسباه خبرة وحكمة وحنكة مميزة، من دون إغفال سماته الشخصية وقدرته القيادية التي رسخته قائداً إنسانياً وعالمياً ذا دور فعال في حل النزاعات استناداً إلى تلك الخبرة العملية، مع بعد نظر جعل منه حكيم المنطقة والقائد الذي وضع للكويت معادلات وتوازنات ناجحة مع كل دول العالم وشعوبه وحكامه.

ولدوره الإنساني البارز، منحته هيئة الأمم المتحدة جائزة «الإنسانية» في عام 2014، كقائد إنساني عالمي، ليصبح لقب «أمير الإنسانية» الأكثر شيوعاً للمغفور له الأمير الراحل.

ثالثــاً: العهد الجديد

لا يخفى على أي مراقب فرادة النموذج الكويتي في المنطقة العربية والخليجية حيث تعيش ديموقراطية استثنائية يمثلها برلمان نشط، سياسيا، يضم مجموعة من الجهات والتيارات الفاعلة.

ونظرا للدور المحوري الذي لعبه الأمير الراحل المغفور له الشيخ صباح الأحمد في صناعة الدبلوماسية الكويتية عبر العقود الماضية، يمكن القول إن السياسة الخارجية الكويتية استندت إلى رؤية الأمير الراحل لدور الكويت في الشرق الأوسط، لتصبح سياستها الخارجية اليوم مرتبطة بالكويت نفسها.

وهنا يجدر الذكر أن السياسة الخارجية الكويتية لا تتشكل فقط من القمة في الحكومة الكويتية كما هو الحال في بقية دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يتدخل الرأي العام والسياسة الداخلية بشكل أو آخر في توجيه تلك السياسة، فقد سمحت التعددية السياسية في البلاد بسياسة خارجية مستقلة وتعددية في الخارج.

أ - ثبات على المبادئ:

قبل بدء العهد الجديد وتسلّم سمو الأمير الشيخ نواف الأحمد الإمارة في البلاد، ومع اشتداد المرض على المغفور له الشيخ صباح الأحمد، أضحى التساؤل عن بقاء الدور والتأثير الكويتي -خصوصًا في الشأن الخارجي- على حاله، وهي تساؤلات مشروعة لأهمية دور البلاد وعظيم أثرها في السنوات الماضية.

ومع سهولة وسلاسة انتقال السلطة ونجاح الانتخابات البرلمانية، تضافرت مؤشرات البقاء على النهج السابق في مساعيه الحيادية ودور الوساطة وتعزيز تلك التوجهات. هذا ما أكدته خطابات الأمير والحكومة، إضافة لاستمرار ونجاح الوساطة الكويتية في الأزمة الخليجية في عهد سمو الأمير الشيخ نواف، لتبدو السياسة الخارجية الكويتية محافظة على طابعها المميز بالابتعاد عن الصراعات وتغليب دور الوسيط.

مؤخرًا ومع تصاعد الحديث عن التطبيع مع إسرائيل بعد توالي الدول الموقعة على ذلك، أعلنت الحكومة الكويتية، ردًا على تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول نية الكويت تطبيع علاقاتها مع الاحتلال، أن الكويت تؤيد القضية الفلسطينية ومتمسكة بحل الدولتين وتؤكد على أنها لن تقبل أي تطبيع ما لم يكن هناك حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، في مؤشر على استمرارية النهج حول قضية العرب الأولى الذي ظهرت مؤشراته حتى في غياب الراحل الشيخ صباح، في أزمته المرضية استمرت السياسة الكويتية برفض التطبيع والاستمرار في الوساطة بالازمة الخليجية.

ب - وساطة ونجاحات:

بات تركيز الكويت على منطقة الخليج العربي من أهم ما يميز جهود الوساطة الكويتية في المرحلة الحالية، بعد عام 2003.. في مؤشر مباشر -بحسب المراقبين- على تبني الإمارة «النهج الواقعي» في السياسة الخارجية، الذي يسعى لتحقيق المصلحة الاستراتيجية والأمن في المرحلة التي أعقبت تحريرها من الاحتلال العراقي.

في الفترة الماضية حظيت أزمة الحصار / المقاطعة باهتمام كويتي خاص في محاولة مستمرة لرأب الصدع بين الأشقاء الخليجيين، وأثبتت الكويت نجاحًا منقطع النظير في مقاربة الأزمة الخليجية.

واتبعت الكويت سياسة النفس الطويل والتأني المدروس لحلحلة بواعث الخلاف وجمع الفرقاء على نقاط مشتركة، حرصًا على مصلحة الخليج العربي شعبًا وحكومات في ظل منهجية سياسة خارجية تدعو للسلم ونبذ النزاعات والحياد الإيجابي لإصلاح ذات البين بأدوات القوة الناعمة الكويتية، في ظل إدراك كويتي لأهمية الدور الذي تلعبه وتقبل أطراف الأزمة للوساطة الكويتية على عكس بقية الوسطاء المحتملين دون نسيان الرضا والقبول الدولي (خصوصًا الأميركي) للدور الكويتي، ما أعطى دفعة قوية للمساعي الكويتية.

ومع تمسك أطراف الأزمة بمواقفهم، هادنت الكويت الجميع واستمرت في رحلات التوسط وتقريب وجهات النظر والعمل على جمع الفرقاء في حوار مباشر برعايتها واستنادًا لتقبل الجميع لدورها (وهذا ما أكدته مختلف التصريحات الرسمية لأطراف الأزمة). ومما يحسب للدبلوماسية الكويتية اتباع الحل التدريجي في مقاربة الأزمة، فالمشكلة لا تحتمل حلولًا آنية، وهنا يجب استذكار دور المغفور له الأمير الراحل، سمو الشيخ صباح، ونجاحه بوقف عمل عسكري لغزو قطر أكده الوزير القطري خالد العطية.

وقبل يومين أثمرت جهود الوساطة الكويتية وتحركات سمو الأمير الشيخ نواف الأحمد، بتحقيق مصالحة تاريخية بين الأشقاء تجلت بعودة العلاقات ونجاح القمة الخليجية الـ41 بحضور الأمير القطري للقمة مع فتح الحدود السعودية القطرية، ويبقى الدور الكويتي حاضرًا، حيث يتوقع لها رعاية طاولة الحوار المشتركة بين الأشقاء لضمان عدم إشعال أي خلاف مستقبلًا.

ج - خبرات سابقة:

تتالت على صناعة الدبلوماسية الكويتية وسياستها الخارجية شخصيات شُهد لها بالدقة والإتقان والخبرة والمعرفة، أنجحوا سياسة الكويت الحيادية وقادوا الوساطات في قضايا إقليمية ودولية، وكان أول الوزراء الشيخ صباح السالم الصباح، الذي تسلم منصب وزير الشؤون الخارجية في عام 1962 - 1963.

تلاه الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح نائب رئيس الوزراء وزير الشؤون الخارجية 1963 - 2003 الذي طبع نهج الكويت الخارجي المعروف.

أما الشيخ محمد صباح السالم الصباح الذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء وزير الشؤون الخارجية في الفترة 2001 - 2011 وكان سفيرًا لدى الولايات المتحدة في الفترة 1993 - 2001، في مرحلة شهدت تعزيز العلاقات مع واشنطن.

وحاز الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح منصب نائب رئيس الوزراء وزير الشؤون الخارجية منذ 2011 - 2019، وكان سفير دولة الكويت لدى السعودية في الفترة 1995 - 1998.

وأخيرًا يدير الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح الدبلوماسية الكويتية، ويشغل منصب نائب رئيس الوزراء وزير الشؤون الخارجية منذ عام 2019 حتى الآن وكان مديرًا لإدارة مكتب نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية.

ميّز دور الوسيط سياسة الكويت الخارجية - كما أشرنا - وظهرت مؤشرات ذلك الدور في المرحلة الأولى بعد استقلال البلاد عام 1961، واضطلعت بأول تجربة وساطة في منتصف الستينيات من القرن الماضي، عندما قامت بالتوسط بين مصر والسعودية لحل الصراع الذي ظهر بين الدولتين في اليمن.

حينها قام الشيخ صباح السالم، رئيس الوزراء الكويتي حينها، بزيارة الرياض عام 1965، ليجتمع مع الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود لمعالجة الأزمة في اليمن، ثم استضافت الكويت اجتماعات بين الأطراف المصرية والسعودية واليمنية عام 1966.

نهاية عقد الستينيات شهدت مساهمة الكويت بجهود وساطة لحل قضية مطالبة شاه إيران بالبحرين، التي انتهت بإجراء استفتاء شعبي واستقلال البحرين في عام 1971، كما سعت الكويت إلى حل النزاع بين باكستان وبنغلاديش في بداية السبعينيات من القرن الماضي.

ولا تُنسى للكويت جهودها في تسوية الصراع المسلح الذي حدث بين النظام الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية، في سبتمبر (أيلول) 1970، (عُرف بـ«أيلول الأسود»).

وفي عام 1972 سعت الكويت إلى حلِّ النزاع بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي، وكان لها دور رئيسي في حلِّ الأزمة التي ظهرت بين عُمان واليمن في عام 1984، وانتقلت للوساطة الدولية عبر محاولة التوسط بين تركيا وبلغاريا، في عام 1989، لحل مشكلة الأقلية التركية في بلغاريا.

واستطاعت الكويت تحقيق نجاح بالوساطة بين اليمن الجنوبي «حينها» وساطنة عُمان، حين توصلت الأطراف إلى اتفاق أنهى الأزمة بين الطرفين، تم توقيعه في دولة الكويت في أكتوبر (تشرين الأول) 1982.

ولا يُنسى دور الكويت المهم في إعادة العلاقات التي قُطعت لأكثر من عام بين ليبيا والمملكة العربية السعودية في عام 1982... ومواقف كثيرة تحتاج تقارير منفصلة تؤكد منهج الاعتدال ودعم السلم لدى الكويت شعبًا وحكومة وسياسة.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking