عشنا عمرنا في هذا البلد الجميل، ونحن نسمع مَن حولنا يردّد ونردّد معهم ذلك الدعاء الطيب «الله لا يغيّر علينا»... نعم، ردّدنا الدعاء، نحن أبناء الجيل الذي عايش الحال المستور في الخمسينيات والستينيات، ثم العيش المريح مع تدفّق وكرم الدخول والخدمات من الدولة الريعية.. ولكن بقاء الحال قد يكون من المحال، إلا إذا اجتهدنا؛ فجميع المؤشرات الاقتصادية والمعيشية في وقتنا الحاضر تؤكد أن ما نعمنا به حتى هذه اللحظة قد لا يكون ميسّراً لأبنائنا في المقبل من السنين، وقد لا يكون متاحاً لأجيال أحفادنا إذا ما استمر نهج إدارة الدولة على ما هو عليه.. ومع ذلك فما زال بيننا من يردّد «الله لا يغيّر علينا»!!

لقد حان الوقت أن نسأله تعالى أن يغيّر أحوالنا، ويصلح أعمالنا؛ فالقادم صعب.. ولعل الله تعالى استجاب لدعواتنا، حيث شهدنا بدايات تغيير مشجعة، وإنْ لم تكن كافية.. فقد غيّر الله نفوس الكثيرين من أبناء الشعب ممن تدافعوا إلى صناديق الانتخاب، خاصة الشباب؛ ليزيحوا من مجلسهم بعض مَن امتثل لمصالحه، ومرت تحت سمعه وبصره حلقات سوء الإدارة ومسلسلات الفساد (الذي لا تحمله «البعارين») وحملته ذمم المفسدين.. ولم يحرّك أولئك ساكناً.

كما شهدنا مؤخراً مشهداً آخر للتغيير؛ تمثّل في تلك الصرخة التي أطلقتها «غرفة التجارة والصناعة» في ورقتها الأخيرة (الكويت في خطر)، التي حملت رؤية جادة تضمنت في مجملها نَفَساً جديداً للتغيير الذي ننشد ــــ وإن اختلفنا مع بعض ــــ ما جاء فيها.

أتت الورقة لتحرِّك المياه الراكدة التي لم تحرّكها الدعوات السابقة للإصلاح، وآخرها صرخة أبنائنا الأكاديمين الـ٢٩ في ورقتهم (قبل فوات الأوان) الذين بدوا وكأنهم «يؤذِّنون في مالطا»!

لقد أشارت ورقة الغرفة، محقّةً، إلى الاختلالات الهيكلية؛ كضيق القاعدة الإنتاجية، وانحراف التركيبة السكانية، وسوء إدارة القطاع العام (ولا أقول هيمنته)، ما سبّب أهم مشاكلنا التي تمثّلت في عجز الميزانية وتردّي الخدمات العامة وتراجع مستوى التعليم.

ولأول مرة تطرح «الغرفة» متطلبات الإصلاح، بادئةً بنفسها وبما يمسّ مصالح منتسبيها؛ وذلك بدعوتها إلى:

إدخال مفهوم الضريبة التصاعدية على الدخول (وهنا أرى البدء بالضريبة على أرباح الشركات) مع حماية الأفراد ذوي الدخول المحدودة من آثارها.

إعادة هيكلة الدعوم، بما يتناسب مع دخل الأسرة، مع عدم المساس بمحدودي الدخل.

لأول مرة تشاركنا «الغرفة» بالدعوة إلى توطين العمالة في القطاع الخاص وتكويتها.

رفع القيمة الإيجارية لأملاك الدولة (وهنا أزيد خاصة القسائم الصناعية وغيرها).

دعوة «الغرفة» اقترنت بضرورة الحوار الموضوعي و«الفزعة» الوطنية، مع البُعد عن الشكّ والريبة.. والإصرار على مجابهة الفساد، والحرص على المشاركة الشعبية في تكلفة الإصلاح.. كل ذلك يجب أن يتم في إطار التمسّك بالدستور ومؤسساته (أسرة الحكم ومجلس الأمة).. والحرص على الوحدة الوطنية وإرساء قواعد الحرية والعدل وسيادة القانون.

نختلف مع بعض ما جاء في الورقة، ونوافقها في الكثير، خاصة الدعوة إلى المناقشة الجادة لأحوالنا؛ فوفق هذا المسلك وحده يتم إصلاح المسار.. ولندعو الله تعالى جميعاً أن «يغيّر علينا» إلى الأفضل.. اللهم آمين.

البشرى لأهل الخليج

كانت بشرى جميلة؛ تلك التي زفَّها وزير خارجيتنا النشيط الدكتور أحمد ناصر المحمد مساء الإثنين، بفتح الأجواء والمعابر البرية بين المملكة وقطر، واكتملت البشرى بحضور الأمير تميم وقائع القمة الخليجية في «العُلا»، بعد قطيعة دامت ثلاث سنوات ونصف السنة بين الشقيقتين.. صور انعقاد القمة بكامل أعضائها كانت بألف معنى لشعوب الخليج التي آلمها الفراق، وأسعدها الاتفاق.. درسُ الاختلاف مكلفٌ لجميع الأطراف، لعلنا نعي تبعاته الصعبة.. ونحمده تعالى أن «غيَّر أحوالنا الخليجية» إلى الأفضل.

د. موضي عبدالعزيز الحمود

[email protected]


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking