لقد كان لاعتدال الطقس يوم 1/ 1/ 2021 الأثر الكبير كي أعود إلى ما كنت قد عوّدت نفسي عليه من المشي في البر المقابل لمتنزه الضباعية، الذي يبعد حوالي 50 كلم جنوب مدينة الكويت. فقد كان ذلك اليوم بعد حوالي شهر من سقوط أمطار غزيرة، التي عادة ما تفرش الأرض بعدها بالبساط الأخضر. لكن بعد أن مشيت لأكثر من ساعة، لاحظت متغيّرينِ جديدينِ، مقارنة بالسنوات السابقة؛ الأول كان انحداراً في معدل سرعتي في المشي، إضافة إلى تدهور في مدى المسافة المقطوعة، وهذه أمور مقبولة، فللعمر أحكامه، لكن المتغيّر الآخر، أو الثاني الذي أشعل الغضب داخل نفسي، هو مدى التلوّث الذي أصاب هذه البقعة الصغيرة نسبيا من الأرض، إضافة إلى انحسار الأرض التي تركت للنباتات الصحراوية لكي تنمو فيها.

وتخيّلت ماذا كانت هذه النباتات ستحكي لنا لو قُدِّر لها أن تتكلم؟ فبعضها يُداس عليه بالإطارات، وأخرى تُخنق بأكياس النايلون بأنواعه، العوسج والعرفج والحمض، لها جمالياتها لكن في بيئتها، فما أبشع منظر هذه النباتات الصحراوية مرمية عليها علب معدنية لمشروبات غازية، أو تكون محاطة بأكياس ملوّنة من النايلون! لقد ولّدت في نفسي هذه المناظر نوعاً من الغضب على من لوّث هذه الأرض، ومن دون شعور بتأنيب ضمير، وبجهل لمعنى المواطنة، وكان أن وصلت إلى نتيجة بيني وبين نفسي بأن هؤلاء الذين يلوثون البيئة هم أناس فاسدون، بعدها راجعت نفسي حول مدى دقة وصفي لهؤلاء الفاسدين، بمعنى: هل يحق لنا أن نستعمل الصفة نفسها لمن يلوّث البر بتلك التي يوصف بها من يسرق الملايين؟ وماذا عمن يحصل على رشوة لتحرير معاملة، وعن ذلك الذي يبيع صوته في الانتخابات؛ لذلك رأيت ضرورة تطوير مؤشر لقياس سلوك فساد الأفراد، الذي سيسمح باستخدام كلمة فاسد لكل من يلوّث البر أو البحر، ولمن يسرق الملايين، ولكن بدرجات.

لذا، أصبح من الضرورة تطوير مؤشر يمايز في حكمه على الأفراد بالفساد، ومن الممكن أن يكون هذا المؤشر مقسّما إلى 100 درجة، تمتد من صفر إلى مئة، بحيث يوصف سلوك الفرد بأنه خال من الفساد عندما تكون درجة فساده صفراً، أما درجة 100 فهي الدرجة القصوى من الفساد، التي يطبق عليها مثل سلوك فاسد يسبب خسارة أموال كبيرة، إضافة إلى تسببه في مقتل مواطنين. أما إذا لم تؤدِّ هذه الدرجة من الفساد إلى خسارة في الأرواح، فإن درجة الفساد تنحدر مثلا إلى 92.

وهذا المؤشر يختلف عن المؤشرات المستخدمة في قياس فساد الدولة، فهناك مؤشر عالمي لقياس فساد الدول يطلق عليه «مؤشر الشفافية العالمي»، فهذا يقيس معدل الفساد في مئة وثمانين دولة، تتفوق فيه الدنمارك ونيوزيلندا لكونهما الأكثر شفافية أو الأقل فسادا في العالم، فترتيب كل منهما الـ«1»، وترتيب سويسرا الـ«4» والولايات المتحدة الـ«23»، وتتنازع سوريا والصومال وجنوب السودان على المراكز الأخيرة الـ«178» والـ«179» والـ«180»، أما دول الخليج فترتيبها كالتالي: الإمارات الـ«21»، قطر الـ«30»، السعودية الـ«51»، عمان الـ«56»، البحرين الـ«77»، الكويت الـ«85». أما مصر فترتيبها الـ«106»، وإيران الـ«146»، ما يعني أن الكويت أكثر دول الخليج فساداً، وفقاً لهذا المؤشر العالمي.

وعادة ما تكون هناك علاقة بين فساد أو تدنّي درجة شفافية الدولة من جهة والفساد في سلوك الفرد المنتمي إليها؛ ففي دراسة قام بها أستاذان في الاقتصاد من جامعة كولومبيا في نيويورك خلال الفترة 1997 – 2002، ونشرتها «نيويورك تايمز» في 10/ 12/ 2006، وجد هذان الباحثان أن هناك علاقة في مخالفة قوانين المرور بين الدبلوماسيين في الأمم المتحدة، ودرجة الفساد في بلدانهم. فوجدا أن هناك 150 ألف مخالفة مرور قيمتها 18 مليون دولار خلال هذه الفترة لم تدفع، وكذلك وجدا أن دبلوماسيين من دول مثل اليابان والسويد وايرلندا لم يخالفوا المرور أبداً، هذا مقابل أن دبلوماسيين من دول، مثل مصر والكويت وبلغاريا كانوا الأكثر مخالفة للمرور، ومن بين هؤلاء المخالفين كان الكويتيون الأكثر مخالفة، فبالمتوسط كان على كل دبلوماسي كويتي 246 مخالفة خلال هذه الفترة، فبعض دبلوماسيي الكويت في نيويورك خلال الفترة 1997 – 2002 استغلوا صفتهم الدبلوماسية بعدم فرض دفع مخالفات المرور بأن سلكوا سلوكا يعتبر من أنواع الفساد.

هذا، وأرى أن تطوير هذا المؤشر لقياس مدى سلوك الفساد الذي يمارس يوميا بدرجات يمكن أن يساهم برفع مستوى الوعي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن أن يعطي مرجعية قانونية عند فرض الأحكام وتطبيقها. فمن تثبت عليه تهمة تلويث البيئة هو إنسان عليه أن يقبل صفة فاسد، وأن يدرج فساده ضمن هذا المقياس الممتد من صفر إلى 100.

المهم أن يسمح لنا باستخدام كلمة فاسد لمن يلوث البيئة، وألا نهاجم لكوننا نبتعد عن انتقاد فساد غسل وسرقة الأموال بالملايين أو «البلايين»، فكلهم فاسدون، ولكن بدرجات متفاوتة، فهذه الهوة التي بينهم هي بالدرجة، مع اشتراكهما بصفة الفساد.

هذا، وأرى أن المواطن الذي لا يحاسب على ارتكاب فساد بدرجة 12، هو أكثر تقبّلا للعيش في مجتمع يرتكب فيه المتنفذون فسادا بدرجة 93، من دون أن يحرّك ساكنا.

د. حامد الحمود

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking