العراق يغرق في أزمة اقتصادية

ترجمة: إيمان عطية

في سوق جملة للجملة الواقع بالقرب من حي مدينة الصدر المترامي الاطراف في بغداد، وقف التاجر حسن الموزاني وسط أكوام شاهقة من أكياس الدقيق غير المبيعة، التي تزن 110 أرطال، قائلا:«في العادة أبيع ما بين 700 إلى 1000 طن شهريا على الأقل، لكن منذ بدء الأزمة، لم نبع سوى 170 إلى 200 طن فقط». مشاكله هي مؤشر على المستوى الذي وصل اليه العراق ويصفه خبراء الاقتصاد بكونه أكبر تهديد مالي يواجه العراق منذ عهد صدام حسين، فالمال ينفد من العراق، ولم يعد لديه القدرة على سداد فواتيره، وقد تسبب ذلك في أزمة مالية من المحتمل أن تزعزع استقرار الحكومة، التي أطيح بها قبل عام بعد احتجاجات حاشدة ضد الفساد والبطالة، أدت إلى اندلاع الاقتتال بين الجماعات المسلحة، وتمكين إيران، جار العراق وخصمه منذ فترة طويلة من تعزيز وجودها. وكانت إيران انتهزت في الماضي الفرصة التي قدمتها حكومة مركزية عراقية ضعيفة لتعزيز قوتها السياسية ودور قواتها شبه العسكرية داخل العراق.

مع تضرر اقتصاده بسبب الجائحة وانخفاض أسعار النفط والغاز، التي تمثل 90% من إيرادات الحكومة، لم يتمكن العراق من دفع رواتب موظفي الحكومة لشهور العام الماضي. وفي الشهر الماضي، خفض العراق قيمة عملته، الدينار، لأول مرة منذ عقود، ما أدى على الفور إلى رفع الأسعار على كل شيء تقريبا في بلد يعتمد بشدة على الواردات، وفي الأسبوع الماضي، قطعت إيران إمدادات العراق من الكهرباء والغاز الطبيعي، بحجة عدم السداد، تاركة أجزاء كبيرة من البلاد غارقة في الظلام لساعات طوال في اليوم.

يقول أحمد الطبقشلي مصرفي في أحد البنوك الاستثمارية وزميل أول في معهد الدراسات الإقليمية والدولية ومقره العراق «أعتقد أنه أمر مروع، النفقات أعلى بكثير من دخل العراق».

وهل يمكن للأزمة المالية أن تكبح جماح نظام المحسوبية الممتلئ بالفساد، يقول الطبقشلي عبر الهاتف من لندن «كل حكومة تمكنت من شراء المزيد والمزيد من الولاءات، لكن شراء الولاء والرضوخ انتهى الآن». رواتب القطاع العام المرتفعة تركت القليل مما يمكن إنفاقه على البنية التحتية، كما تضرر الاقتصاد العراقي من جائحة فيروس كورونا، حيث فقد العديد من العاملين في القطاع الخاص الضعيف وظائفهم بسببها.

وبحسب الطبقشلي واقتصاديين آخرين، فإن تخفيض قيمة العملة كان خطوة صعبة، لكنها ضرورية لمساعدة الشركات العراقية. فمع ارتفاع تكلفة الواردات، يمكن للسلع العراقية مثل المنتجات الزراعية أن تنافس بسهولة أكبر.

تخفيض العملة

ويخشى الكثير من العراقيين أن يكون هناك المزيد من التخفيضات في قيمة العملة في المستقبل رغم نفي الحكومة العراقية ذلك، وكان الموزاني (56 عاماً)، وهو تاجر في سوق جميلة بالجملة يستورد الدقيق من تركيا بالدولار، حيث يبيع الكيس الواحد من الدقيق مقابل نحو 22 دولارا حتى وقت قريب. لكن ونتيجة تخفيض قيمة العملة، قام برفع السعر إلى 30 دولاراً.

يقول كرم محمد وهو مدير مطعم جاء للسؤال عن السعر الجديد للطحين إنه لم يكن هناك طلب كبير على الدقيق، وإن المطاعم في الغالب خالية من الزبائن بسبب الجائحة والأزمة المالية.

وفي كشك قبالة زقاق ضيق ومتعرج في سوق الشورجة، أحد أقدم الأسواق في بغداد، يبيع أحمد خلف (34 عاماً) كماليات بسيطة كطلاء الأظافر ومشابك الشعر البلاستيكية وأقلام الرصاص الملونة.

حتى أثناء الجائحة، عادة ما تكون الأكشاك بحلول منتصف النهار في سوق الشورجة مكتظة بالمتسوقين الذين يشترون المواد الغذائية الأساسية والسلع المنزلية، لكن الممرات كانت شبه فارغة الأسبوع الماضي.

ويقول خلف الذي تحول إلى العمل الحر عندما لم يتمكن من العثور على وظيفة بشهادته في علم الاجتماع «الجميع يخافون الشراء أو البيع، وعملاؤنا هم في الغالب موظفون حكوميون، لكن كما ترون، لن يأتوا».

الدين الإيراني!

ويقول عبدالحسين العنبكي المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي «لا يمكن للعراق أن يدفع كل الديون لإيران، كما أن إيران تواجه أيضا أزمة اقتصادية، ولا يمكننا شراء الغاز من دون أن ندفع».

ووفق مسؤولون عراقيون فان جزءا من ديون العراق نتج عن عدم قدرته على السداد، لكن حصة الأسد، حوالي 3 مليارات دولار، لا تزال مجمدة في بنك عراقي، بينما يكافح العراق للامتثال للعقوبات الأميركية ضد إيران.

ويقول فرهاد علاء الدين، رئيس المجلس الاستشاري العراقي، وهو معهد لبحوث السياسات «بالنسبة للعراقيين، الأمر صعب، لأن آلية الدفع لإيران تكاد تكون معدومة، ذلك أنه من الواضح أن الأميركيين يراقبون الوضع عن كثب».

ويضيف علاء الدين وآخرون إن الأزمة المالية يمكن أن تؤدي إلى تجدد الاحتجاجات والصراعات بين الجماعات المسلحة للسيطرة على موارد العراق المحدودة بشكل متزايد.

البنية التحتية

عدم قدرة العراق، أحد أكبر منتجي النفط في العالم، على إمداد مواطنيه بالكهرباء بشكل دائم وبالتالي اضطراره لاستيراد الكهرباء، هو أحد أعراض الخلل، الذي أدى إلى احتجاجات مناهضة للحكومة العام الماضي وأسقط الحكومة السابقة.

بالنسبة لملايين العراقيين، الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الكهرباء من المولدات الخاصة، كان انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع الأسعار بمنزلة ضربة مزدوجة.

اذ تقول هيفاء جدو، 55 عاما، التي أتت إلى سوق الشورجة لشراء بذور السمسم والجوز، إنها وزوجها، وهو متقاعد ويعاني من فقدان البصر، يعيشان حياتهما ببساطة من دون كهرباء لأجزاء كبيرة من اليوم.

وتضيف «اعتدنا أن ندفع المال لمالك المولدات، لكننا لم نشتر الطاقة الكهربائية منذ أربعة أشهر، لأنه رفع السعر». مشيرة الى أن الجوز الذي اشترته قبل شهر بسعر 3.50 دولارات للرطل أصبح الآن حوالي 5 دولارات وبعيدا عن متناول اليد.

معاشات القطاع العام تفوق إيرادات النفط!

يوضح التقرير صحيح أن تخفيض قيمة العملة فاجأ معظم العراقيين، بيد أن الأزمة الاقتصادية والمالية كانت في طور التكون منذ سنوات، فرواتب ومعاشات القطاع العام تكلف الحكومة حوالي 5 مليارات دولار شهريا، لكن عائداتها النفطية الشهرية وصلت مؤخرا إلى حوالي 3.5 مليارات دولار فقط، ويعوض العراق النقص عن طريق اللجوء الى الاحتياطيات التي يقول بعض الاقتصاديين إنها غير كافية أصلا. وخلص صندوق النقد الدولي في ديسمبر إلى أنه من المتوقع أن ينكمش اقتصاد البلاد بنسبة 11% في عام 2020. وحث العراق على تحسين

الحوكمة والحد من الفساد. وعلى مدى 18 عاماً، دعمت عائدات النفط نظاماً تفوز فيه الحكومة بالدعم من خلال منح الوزارات للفصائل السياسية، التي تمنح حرية التصرف لخلق الوظائف. وتضاعف حجم موظفي الخدمة المدنية في العراق ثلاث مرات منذ عام 2004. ويقدر الاقتصاديون أن أكثر من 40% من القوة العاملة تعتمد على الرواتب والعقود الحكومية.

إرسال الطعام والأدوية إلى إيران

يقول التقرير: مما زاد من البؤس قدرة العراق المحدودة على الدفع لإيران مقابل الكهرباء والغاز الطبيعي، ولا يسمح للعراق بتحويل الأموال النقدية إلى إيران، لكنه يقوم بدلاً من ذلك بإرسال الطعام والأدوية مقابل الغاز الطبيعي والكهرباء. وتقول إيران إن العراق مدين لها بأكثر من خمسة مليارات دولار.

زيادة الضرائب وارتفاع البطالة

أشار التقرير إلى أن الحكومة العراقية كانت قد اقترحت إجراءات شاملة لمحاولة تعزيز ودعم الاقتصاد، بما في ذلك زيادة الضرائب، في خطة معروضة الآن على البرلمان، لكن كثيراً من السياسيين يعولون على توقع ارتفاع أسعار النفط هذا العام لتأجيل تمرير ما يقول الاقتصاديون إنه إصلاحات مطلوبة بشدة.

وإلى أن يحدث ذلك، من المتوقع أن تزداد البطالة مع دخول حوالي 700 ألف شاب إلى سوق العمل كل عام. ومع وجود عدد قليل من الوظائف، فمن المرجح أن ينضموا إلى ما أصبح طبقة دنيا دائمة من الفقراء والمحرومين.

الفساد وعدم الكفاءة أعاقا الإصلاح

كانت البنية التحتية للطاقة في العراق عانت من ثلاث حروب مدمرة منذ الثمانينيات، أتت كلياً على المصافي ومحطات الطاقة ودمرتها. لكن منذ أن تم الإطاحة بصدام حسين عام 2003، كان الفساد وعدم الكفاءة هما ما أعاقا الحكومة العراقية عن استعادة قدرتها على إنتاج الطاقة الكهربائية بشكل كامل، بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أن العراق غارق في النفط، فإن معظم محطات الكهرباء تعمل بالغاز الطبيعي، ورغم امتلاك العراق لاحتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي لكنه لم يستثمر بكثافة في تطوير صناعة الغاز وإلى أن فرضت إدارة ترامب عقوبات إضافية على إيران، كان استيراد غاز توليد الكهرباء من إيران هو الحل الأسهل.  

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking