الموت حق وكما جاء بالحديث الشريف «إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمى، فلتصبر ولتحتسب»، فقد فارقنا إلى رحمة الله تعالى ابن العم سعدي الملا عثمان العثمان، ولي مع هذا الإنسان قصة وحكمة ارتأيت أن أشرك القارئ معي بها، ومع أنه ابن عمي إلا أن معرفتي به كانت أيام الدراسة في أميركا، وكانت الصدفة هي من جمعتنا، حيث إنه في نهاية عام ١٩٧٥ وتحديداً فترة الكريسماس هناك وقد تقطعت الطرق بمجموعة من الطلبة الكويتيين الدارسين للغة بجامعة جنوب إلينوي، وكنا مجموعة من «الغشمة» اللي اعتمدنا على السفارة أن ترتب قبولا لنا بعد انتهاء كورس اللغة، ولكن هذا ما تم وما لقينا أحدا يقبلنا إلا معهد في قرية اسمها مارشل تاون في ولاية آيوا، المهم شفناها قريبة بالخريطة، بس ما هقينا راح نظل بالباص يوم ونص، وما بقت محطة ما وقف فيها. المهم وصلنا والعائلات الأميركية هناك ما قصرت معانا كل عيلة سكنت كويتي عندها. وهنا وبالصدفة التقيت مع السعدي، وكان السعدي يدرس بجامعة آيوا في إيميز وتبعد ساعة بالسيارة، وكان موصل أخيه ومسجله بالمعهد نفسه كونه قريبا منه، المهم صار عندنا واحد يعرف المكان ونزوره بكل عطلة وبدأت معرفتي به، وكان مضيافا وذا خلق وكرم وطيبة استقى الكثير من الصفات الطيبة من والده الملا عثمان -رحمه الله- وهذه ليست فقط شهادتي، بل شهادة كل من كان معاصرا له بذلك التاريخ، ثم تخرج ابن العم بعد عام ورجع الكويت والتحق بالعمل بإحدى شركات النفط، ومن بعدها جمعنا العمل في أحد البنوك التقليدية، حيث تقلد منصب مساعد المدير العام، وبعد فترة قرر ترك وظيفته المرموقة بالبنك والتحق ببنك إسلامي براتب أقل ومنصب أدنى مما كان قبله، على الرغم من أنه كان مثقلاً بالديون، وأذكر جيداً أني سألته عن سبب هذا التحول، فأجابني «اللي عند الله أحسن»، وقد فتح الله عليه ورزقه من حيث لا يحتسب، واللي تغير معاه ليس الوظيفة بِقدر الخُلق الحسن والورع والخوف من الله، فبموازاةٍ رائعةٍ ما بين العمل ومتاع الدنيا بما أمر الله ومع التجارة مع الله، كان حريصا على صلاة الجامع والجماعة وحريصا على حفظ كتاب الله، فهذا الإنسان الكريم لا يغتاب، ولا يقبل بالهابط من الحديث ولا يزعَل ولا يزعّل أحدا. وكان كثيراً ما يحدثني عن رغبته في أن يُلاقي ربه خالي الذنوب، وبالسنوات الأخيرة بدأت تتباعد بيننا المسافات، حيث كان الاعتكاف ومجالس الذكر ديدنه ورحلات الدعوة لدين الله في أفريقيا تأخذ الحيز الكبير من وقته بصمت، بعيداً عن الإعلام والأضواء، وبالمقابل انشغالي بإدارة وتنمية وقف المرحوم والدي وأعماله الخيرية، ولأسباب قدرها الله. فهذا الإنسان عرف حقيقة الحياة بوقت مبكر، وعمل للدنيا وللآخرة واستطاع أن يغيّر وببراعة أسلوب حياته وحديثه إلى الأفضل، محافظاً على علاقات الود مع كل أطياف المجتمع، فلم يكن متطرفاً ولا متصوفاً، بل كان نموذجاً وسطياً جميلاً أطلقت عليه «بالسعدي»، فرحلت يا ابن عمي وحققت ما حلمت به من عملٍ للدنيا وعملٍ للآخرة، وبرحيلك فقدت العائلة، والكويت، أحد رجال العمل الخيري المخلصين، وبمرضك ما أحسبك عند الله إلا شهيداً، فوداعاً ابن عمي، وإلى الملتقى بجنة الخلد بإذن الله.

وتسلمون.

عدنان عبدالله العثمان

@AdnanAlothman

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking