اللقاح الجديد بين الحذر.. والمؤامرة!

كثر الحديث مؤخرا عن اللقاح الجديد، الذي يحمل خاصية (mRNA)، وانقسم الناس بين المؤيد والمعارض. ولكن ما شد انتباهي هو ان كل من عارض اللقاح وضع في خانة المؤيد لنظرية المؤامرة، وهو أمر غير صحيح وغير عادل.

إننا نعيش اليوم في عالم تكنولوجي منفتح على العالم، والكل يستطيع بكبسة زر ان يطبع ما يشاء من دراسات علمية او مجلات متخصصة في كل مجالات العلوم المتاحة على الفضاء الإلكتروني. وبالتالي الكل قادر على ان يقرأ عن أنواع التطعيمات والدراسات المعنية بهذا العلم، بقدر المستطاع.

بالنسبة لموضوع اللقاح الجديد المبني على نظام «المرسال» mRNA، فهو نظام جديد لم يستخدم قبل سنة 2020 على اي انسان في اي دراسة طبية او إكلينيكية حسب تصريح البروفيسور بول اوفيت - Paul Offit - مدير دائرة اللقاحات بمستشفى بنسلفانيا (مقابلة منشورة في يونيو 2020). ومن هنا يبدأ الحذر والتخوف من كثير من المواطنين، الذين قاموا بالبحث عن هذه الدراسات «البشرية» ولم يجدوا ايا منها.

فالموضوع هنا لا يتعلق بأي مؤامرة، فالحمد لله الشعب الكويتي والشعوب الخليجية عموما تم تطعيمهم بعدة أنواع من اللقاحات في مراحل حياتنا المختلفة منذ الصغر، وتم تطعيم أطفالنا كذلك قبل دخولهم المدارس، بمعنى أن معظم المواطنين لا يمانعون ان يتم تطعيمهم بلقاحات «مجربة وفعالة». ولكن ما يثير تخوفهم كما أشيع أن يكونوا داخل مختبر تجارب لهذه الشركات العملاقة لتجربة لقاح جديد، لم يجرب على «البشرية» من قبل، ولا علاقة لنظرية المؤامرة بهذا الحذر المنطقي لعلاج جديد تم البدء بتجربته على البشرية قبل عدة شهور فحسب.

الأسلوب العلمي

لقد اعجبني ما قامت به جامعة اوكسفورد، التي بدورها تقوم بتطوير لقاح خاص بها. حيث اعلنت انها ستلتزم بالأسلوب العلمي المتبع، وهو ان تقوم بنشر الدراسة العلمية للقاحها في مجلة علمية، وليتم نشرها للعالم أجمع، ليقوم كل من يستطيع بقراءتها ومناقشتها وإبراز نقاط الضعف فيها للمساعدة في تطوير اللقاح. حتى يومنا هذا جامعة اوكسفورد هي الوحيدة التي قامت بنشر دراسة عن لقاح كورونا (كوفيد -19).

لنا ان نتساءل لماذا لم تقم الشركات الأخرى بنشر دراساتها في مجلات علمية متخصصة، كما فعلت جامعة اوكسفورد، ليتم نقاش تحاليلهم المخبرية على العلن؟ المسألة هنا لا ترتبط بموضوع المؤامرة كما يظن البعض، بل ترجع الى الثقة العامة بسلامة الإجراءات العلمية المتبعة من قبل بعض شركات الأدوية العالمية.

نشر الدراسات

وهنا نرجو من وزارة الصحة الكويتية، بنشر وشرح هذه الدراسات - ان وجدت - للمواطنين لرؤية هذه النتائج على العلن، ونشرها بالصحف المحلية. فعلى سبيل المثال هل تستطيع وزارة الصحة الكويتية ان تخبرنا كم انسانا تم اختبار مادة mRNA عليه خلال السنوات العشر الماضية؟ هل تصل اعدادهم لنصف مليون شخص؟ ام اكثر؟ او اقل؟ هل تستطيع ان تخبرنا الوزارة بالأعراض الجانبية التي تأثروا بها خلال (سنة أو سنتين) بعد حقنهم بمادة mRNA؟ هل لديهم معلومات ان كان تأثير اللقاح الجديد يختلف تأثيره على الإنسان من موسم الى آخر؟ فتأثير لقاح الإنفلونزا مثلا يتفاعل بصورة افضل في فصل الشتاء اكثر منه في فصل الصيف؟ الإجابه هنا انهم لن يستطيعوا معرفة الآثار طويلة الامد، لأن الدراسات البشرية لم تستمر لسنة كاملة، بل لعدة شهور فقط.

التجارب السريرية

لقد قامت بعض دول الخليج مشكورة بإعداد مقابلات مع متخصصون للتحدث عن هذا اللقاح الجديد وطمأنة المشاهدين، دون التطرق للأسف الى عدم وجود تجارب بشرية سابقة لهذا اللقاح. فبعض هؤلاء المتخصصين يتحدثون عن التجارب السريرية التي تمت سنة 2020 دون التطرق لأي تجارب سابقة للـ50 سنة الماضية. وقد أعجبتني مقابلة الدكتور جاسر الحربش عندما تكلم وشرح عن اللقاح الجديد، ولكن عند سؤاله اذا كان سيقبل بأخذ هذا اللقاح، أجاب بكل صدق وشجاعة انه لن يأخذه، لأنه علم جديد وهو يفضل أخذ اللقاح الروسي التقليدي. وهنا نأخذ هذا المثال لعالم ودكتور لا يؤمن بنظرية المؤامرة، ولكنه رجل عالم متعقل ويفضل أن يختار الأنسب له حسب علمه ومعرفته. وهذا ما يريده عامة الشعب في الكويت والخليج، فهم يريدون فهم هذه التكنولوجيا الحديثة ببساطة وبشفافية بعيدا عن خلطها بنظرية المؤامرة.

التوضيح للاطمئنان

اعتقد انه من واجب وزارة الصحة ان تقوم بشرح هذه الاكتشافات واللقاحات الجديدة للمواطنين ببساطة وشفافية حتى تبث روح الطمأنينة لهم ولأسرهم، ومن دون ربط الموضوع بنظرية المؤامرة حتى لا تزعزع الثقة بنظام التطعيمات العالمي والآمن الذي يستخدمه البشر منذ عقود لحمايتهم من الأمراض الفتاكة.

وعلى الوزارة ايضا ان تقوم بتوفير لقاحات أخرى ذات نظم تقليدية ومجربة مثل اللقاح الروسي او الصيني او حتى لقاح أوكسفورد القادم، حيث ان هذه الدراسات والعلوم منشورة ومعروفة للأطباء والعلماء. واعتقد ان كثيرا من المواطنين سيزيد احساسهم بالأمان والثقة عند توافر اللقاحات التقليدية وسيقومون بإذن الله بالتسجيل لأخذ مواعيد للحصول على هذه اللقاحات التقليدية وبأعداد قد تفوق المتقدمين لللقاح الحالي.

في النهاية نود كمواطنين ان نشكر جميع الأطباء ووزارة الصحة على أدائها الرائع في حماية المواطنين والمقيمين، ونحن نعلم علم اليقين انهم يعملون ليلا ونهارا وبكل جهدهم لإنقاذ البلد من هذا الوباء، فشكرا لهم ولكل الصفوف الأمامية المضحية بأرواحها لأجل الوطن. وكلنا أمل في ان تكون هذه اللقاحات الجديدة، معجزة علمية تنقذ البشرية من هذه الأوبئة ومن بعض الأمراض المستعصية، بإذن الله.

ماذا تحوي إبرة اللقاح؟

يشرح البروفيسور بول اوفيت ان ابرة اللقاح (mRNA) تحوي داخلها تقريبا 100 مليار حبيبه (نانو) وطريقة عمل المادة انها تتفكك وتتفتفت بعد فترة من أداء مهمتها. يعني بعد تفككها سيكون هناك ما بين 400 الى 500 مليار حبيبة تقريبا. يتساءل البروفيسور ماذا سيحدث للنظام المناعي للإنسان حين يحس ان هناك 400 مليار حبيبة تتحلل داخل أوعيتنا الدموية. يقول البروفيسور انه لا أي دراسة مقارنة على أي إنسان للإجابة عن مثل هذا السؤال. (مقابلة في human vaccines project - يونيو 2020)

تاريخ الأبحاث

نحن نستطيع ان نبحث ونعرف ان بداية الأفكار ودراسات (RNA) بدأت منذ اكثر من 70 عاما. وان احدى أهم العالمات في هذا المجال هي الباحثة الهنغارية الدكتورة «كاريكو» التي بدأت أبحاثها في بلدها هنغاريا سنة 1978 وانتقلت بعدها الى جامعة بنسلفانيا بأميركا لتبدأ تطوير دراسات (mRNA) ومن بعدها انتقلت الى شركة بايونتك، ومازالت تعمل معهم الى يومنا هذا، وهي التي نقلت الى شركة بايونتك خبرتها ونقلت بحوثها الى ألمانيا. مع العلم انه ومنذ بداية الدراسات المتعلقة بالـRNA وحتى أواخر سنة 2020 جميع الدراسات تمت على الحيوانات (القرود) والقوارض (الفئران) فقط، من دون اي دراسة بشرية سابقة. وهذه المعلومات ليست من نظريات المؤامرة، بل هي اقرارات علمية من الهيئات الطبية العالمية والاميركية التي تؤكد عدم وجود تجارب بشرية لـ mRNA قبل سنة 2020. (مجلة العلوم الاميركية - نوفمبر 2020)

يقول البروفيسور بول اوفيت، وهو عضو ان اكبر تخوف لديه هو ان تقوم الادارة الاميركية «بكسر» المنظومة الصحية الأمنية الموضوعة منذ 1950 تقريبا لمنع دخول اي لقاح غير آمن للمجتمع الأميركي. فالأنظمة الصحية الموضوعة هي لحماية الولايات المتحدة من دخول لقاحات غير مجربة للمجتمعات المدنية من دون التأكد من سلامتها.

وهنا يتساءل بعض المفكرين وحتى بعض الأطباء إن كانت موافقات هيئة الغذاء والدواء الأميركية تمت بطريقة سليمة من دون ضغوطات من البيت الأبيض؟ وهنا نرجع لموضوع الحذر وليس نظرية المؤامرة التي يكررها الكثير من الناس، فالحذر واجب، واتباع الشركات الغربية بثقة عمياء ليس بالضرورة مفيدا لمجتمعاتنا. 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking