هل نظر «البرنامج الحكومي» في مكمن الخلل الحقيقي؟

في خطته الثلاثية (2021 ــ 2024)، يقوم «البرنامج الحكومي» على ما يعرف بآليات «الإصلاح السريع»، اعتقادا بأن تلك الآليات هي ما ستقضي على «مكمن الخلل في اقتصاد الدولة»، لا شك في أن تلك الآليات تصب بالنفع على المالية العامة للدولة، ولكن «بشكل مؤقت»، ما لم يتم إقرانها بتزامن «حازم وفعال» مع آليات تدرك الصورة الأكبر لاقتصاد الدولة «الكلي» المتمثل بنموذج اقتصادها الذي دام أكثر من نصف قرن. آليات، نسميها آليات «إصلاح النموذج الاقتصادي»، معنية بنقل اقتصاد الدولة من اقتصاد (بقطاعيه العام والخاص) قائم على إيرادات الصادرات النفطية (ريعي ومستهلك لموارد الدولة الطبيعية) إلى اقتصاد قائم بذاته (منتج ومستدام).

ففي هذا «البرنامج الحكومي»، عوضا عن أن تكون تلك «الإصلاحات السريعة» ممولا مؤقتا للميزانية العامة للدولة، وجب أن تكون أداة لتمويل آليات «إصلاح النموذج الاقتصادي»، المعنية بالتوسع الاقتصادي الذي سيصب بالنفع على المالية العامة للدولة، ولكن «بشكل دائم».

وما وجب الإشارة إليه، أن زمن تنفيذ الخطة الثلاثية ذو كلفة عالية، واستمرار هذا التنفيذ على ذات النهج دون اعتبار الآليات المعنية بإصلاح نموذج اقتصاد الدولة سيدخل الاقتصاد الوطني إلى مرحلة «اللا عودة»، والتي لن يتمكن الجهاز الحكومي بها من توسعة الاقتصاد بآليات تمويل كآليات «الإصلاحات السريعة» التي تم اعتبارها اليوم في هذا البرنامج.

مكمن الخلل في اقتصاد الدولة

بات جليا للعيان تطرق الأقطاب الاقتصادية للخطر الاقتصادي فقط متى ما انخفض سعر برميل النفط عن سعر التعادل بالميزانية، حيث تنخفض الإيرادات النفطية التي تشكل قرابة 90% من إجمالي الإيرادات عن إجمالي المصروفات، والتي هي «بارتفاع مستمر على نمط أسي» سنويا نتيجة التزام الحكومة الدستوري بتوفير مقومات الحياة للمواطن.

ومن هنا، نجد أن رئاسة مجلس الوزراء أمام معضلتين أساسيتين، تنقضيان مع:

-1 ارتفاع معدل الإيرادات غير النفطية من إجمالي الإيرادات، متمثلا بارتفاع قيمة تلك الإيرادات لا بانخفاض نظيرتها النفطية.

-2 انخفاض معدل ارتفاع قيمة عبء الالتزام الدستوري بتوفير مقومات الحياة للمواطن، أي من خلال انخفاض معدل ارتفاع بند الرواتب والدعوم.

ومن هنا قد تتسبب بعض الآليات المحققة لانقضاء هاتين المعضلتين «مؤقتا» على المدى القصير بتشوه الانقضاء «الدائم» على المدى البعيد، كتلك الآليات المدرجة في «البرنامج الحكومي» في حال عدم تزامنها مع إصلاحات مدركة لمكمن الخلل الحقيقي في اقتصاد الدولة. فتلك الآليات حتما سترفع الإيرادات غير النفطية، ولكن تلك الإيرادات سيكون مصدرها الأساسي تلك الإيرادات النفطية التي مرت من خلال آليات توزيع الثروة مثل رواتب موظفي الدولة، ودعومات لكل المواطنين، وممارسات ومناقصات للقطاع الخاص؛ أعيد توزيعها كأرباح ورواتب الموظفين به، من مواطنين توجهوا للاستهلاك، أو وافدين قاموا بتحويل الجزء الأكبر من حصصهم إلى الخارج.

نجد أن الخلل الحقيقي في اقتصاد الدولة معني بنموذجه، ويكمن في:

اولا: استمرار الاقتصاد الكويتي لأن يكون اقتصادا «منغلقا»، قائما على إيرادات الصادرات النفطية، والخلل الأكبر هو اعتبار حلول تكون بها الإيرادات النفطية الممول لتلك لإيرادات غير النفطية بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال الآليات سالفة الذكر.

ثانيا: استمرار انعدام تحفيز القطاع الخاص ليشكل سوقا مفتوحة، سوقا معنية بالإسهام الفعلي في معادلة إجمالي الناتج المحلي من خلال عامل «ناتج الصادرات»، لا من خلال عامل «الاستهلاك» كما هو الحال منذ أكثر من نصف قرن.

5 توصيات لاقتصاد منتج ومستدام

إنه وبالاقتران مع آليات «الإصلاح السريع» المدرجة في «البرنامج الحكومي»، ولتحقيق الغاية المرجوة من تحسين وضع المالية العامة للدولة على المدى الطويل لا القصير وحسب، ولتعزيز الاقتصاد الكويتي ليكون اقتصادا منتجا ومستداما، وجب اعتبار الموجز الآتي:

1- أن تكون آليات «الإصلاح السريع» ممولا ومحفزا لآليات «إصلاح النموذج الاقتصادي» وحسب، لا داعما للميزانية العامة للدولة على حساب تطبيق آليات «إصلاح النموذج الاقتصادي».

2- اعتبار مشروع حكومي بقانون إنشاء «وحدة تعزيز الصادرات غير النفطية» للقطاع الخاص، كوحدة قائمة على إيراداتها الضريبية من القطاع الخاص الواجب إسهامه في استمرار الاقتصاد الصحي لضمان استمرار كيانيه الخاص والعام. على أن تكون الإيرادات ممولا لتحفيز دور القطاع الخاص في عامل «ناتج الصادرات»، مبعدا إياه عن عامل «الاستهلاك» في معادلة إجمالي الناتج المحلي.

3- أن يكون الممول للإيرادات غير النفطية غير مرتبط البتة مع الإيرادات النفطية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، على أن يكون الممول هو توسع القطاع الخاص نتيجة لتوسع دوره في عامل «ناتج الصادرات» في معادلة إجمالي الناتج المحلي.

4- أن يكون انخفاض البطالة وانخفاض عبء بند الرواتب، نتيجة لا أداة لتوسع القطاع الخاص الذي كان وليد تحفيز عامل «ناتج الصادرات» في معادلة إجمالي الناتج المحلي.

5- تشكيل فرق عمل معنية بإعداد ورسم تفاصيل استراتيجيات «إصلاح النموذج الاقتصادي» الهادفة إلى توسعة الاقتصاد لا تقليصه، ونقل سوق العمل إلى سوق مفتوحة تأخذ في عين الاعتبار عامل «ناتج الصادرات» وحسب في معادلة إجمالي الناتج المحلي، لتدر بضرائبها تلك الإيرادات غير النفطية على الميزانية العامة للدولة، دون أدنى علاقة بالإيرادات النفطية.

عبدالله السلوم

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking