انقشع غبار الانتخابات، وبانت إرادة التغيير واضحة للعيان، وتم اختيار نواب جدد بنسبة تغيير، بلغت 62%، وهي نسبة كبيرة بكل المقاييس، ولوحظ أن أغلب من خسروا كراسيهم هم من المناديب والطائفيين، كما لوحظ أن هناك من خسر الانتخابات، رغم فوزه في «الفرعيات»، وهذه كلها دلالات يجب عدم إغفالها.

هناك من رفض النتيجة لأنه لم ينجح، وهناك من لم يصدّق أن تدور عليه الدوائر، رغم محاولاته اليائسة البائسة؛ لأنه لم يستوعب أن الأمور قد تغيّرت، وأن الكويت دخلت عهداً جديداً؛ الكثيرون متفائلون به، وهناك من دخل المجلس من أوسع أبوابه، وهو الدكتور الوطني حسن جوهر، الذي نتمنى عليه أن يحافظ على زخمه الوطني والإصلاحي اللافت والمطلوب، فهو أكثر العالمين بأن من وراء نجاحه هم الكويتيون الكارهون لطائفية وقبلية الآخرين، أما سقوط المرأة فسببه المرأة نفسها، رغم أن عددهن يفوق الرجال بكثير، وهذه ظاهرة تستحق الدراسة.

ولكن، ورغم التفاؤل الحذر من نتيجة الانتخابات، فإن ما أثار الخوف على اللحمة الوطنية الكويتية الطريقةُ الاستفزازية التي تم من خلالها فرز الفائزين قبليا وطائفيا وحزبيا، وهي طريقة لبنانية ممجوجة لا نريد أن تنسخها الكويت.

محصلة نتائج الانتخابات كشفت عن حقيقة لا لبس فيها، وهي أنه لولا انتماءات بعض الفائزين القبلية والطائفية والحزبية لما نجح أصحابها، فمع احترامنا لهم، فليس بينهم من عُرفت عنه الحنكة أو الخبرة السياسية، أو حتى شهرة اجتماعية حتى يفوز بانتخابات برلمانية، فما نراه أنه بجانب الأحزاب الطائفية غير المعلنة، فهناك ظهور لافت لما يشبه الأحزاب القبلية، وأكاد أجزم بأنه ما أن يعلن رسمياً عن تكوين أحزاب فستتحول كل قبيلة وطائفة الى حزب بحاله، وهذا هو مثار الخوف والهلع الحقيقيين.

فهذه الانتخابات وما سبقها من «فرعيات»، حادت بهذه المجاميع، لا شعورياً، عن هدفها الديموقراطي الوطني، ما أدى إلى تكالب محموم على تثبيت هذه المجاميع وفرضها على الأمة، على حساب كفاءات وطنية كويتية أخرى لن يكون لها بأي حال فرصة ولا حظَّ في المقبل من السنين بالمشاركة في النهوض بوطنهم وإصلاح ما أفسده غيرهم.

تلك الممارسات السيئة، ورغم منعها صورياً، فإنها بالتأكيد تمت بمعرفة الحكومة، وبدا واضحاً مع مرور الزمن أن الحياة السياسية في الكويت بدأت بالتحوّل الى المحاصصة على الطريقة اللبنانية، ولكن بمقياس أصغر.

نحن نضع أيدينا على قلوبنا، خوفاً من جر الكويت الى ما لا تُحمد عقباه؛ فالمحاصصة ابتكار لبناني مقيت، يقوم أساساً على اختيار الوزراء والمسؤولين والقياديين، وحتى النواب على أساس توزيع طائفي ومناطقي وحزبي، هدفها الأساس إرضاء أطراف سياسية، تملك أوراق ضغط لا تملكها أطراف أخرى.

فالكويت مرت في مراحل متدرجة من اللبننة والمحاصصة، بدأت بشراء ولاءات طائفية وقبلية، وتوزير المحسوبين على هؤلاء الموالين، مهما كان مستواهم العلمي والثقافي، وحتى الوطني، وهذا حصل في مراحل سابقة، عندما فتح الطريق حتى لمن كان توجهه ضد المصالح الوطنية والأمنية الكويتية، كالذين كانوا قلبا وقالبا مع ما يسمى «حزب الله»، الذي عاث فساداً في الكويت في الثمانينيات، وكاد يفعلها بخلية العبدلي الإرهابية.

نقول: التكتلات السياسية الوطنية أمر طبيعي، والتنافس السياسي الشريف في حدود المصلحة الوطنية محمود، ولكن الأمور كانت تتفاقم منذ سنوات، وهي الآن تهدد أمن الكويت، هناك تكالب على دخول المجلس بأي طريقة، ومن كل من هب ودب، ومن الصالح والطالح، هذا التكالب سببه الاعتقاد الجازم بأن الكرسي النيابي يؤدي الى الثروة السريعة، أو أنه لهدف أخطر من ذلك.

الكويت في خطر محدق، وسيكون مصيرها «اللبننة»، على الطريقة اللبنانية، لا قدَّر الله، ولا وقت هناك للتلكُّؤ؛ فآخر العلاج الكيُّ.

طلال عبدالكريم العرب

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking