لابد أنك صادفت يوماً هذا الصديق، الذي ما إن تخبره بأن ساقك اليسرى تؤلمك لا يكف عن خلق أي فرصة ليخبرك عن قوة ساقه اليسرى وجمالها وقدراتها الخارقة غير المسبوقة.

هو نفسه الذي إن أخبرته عن اعتزازك بدقة ومهارة يدك اليمنى يكتفي بالصمت، وكأنه لم يسمعك، أو يبدأ في الحديث فورا عن عدم أهمية اليد اليمنى في الحياة إطلاقا!

في المقابل، هناك الصديق الذي إن أخبرته عن ألمك هوّن عليك وعزز ثقتك في أنك قادر على تجاوزه، وأن الأمر مسألة وقت لا أكثر.. هذا الشخص الذي يفتش فيك عن كل ما هو جميل ولا يبخس الناس أشياءهم.

هذه ليست حكاية عن الخير والشر، بل حكاية بسيطة ومتكررة عن الفرق بين الثقة في النفس والشعور بالنقص.

لدى العقل الكثير من الحيل الدفاعية التي تمكنّه من التعامل مع نواحي الضعف وضغوط الحياة، ويقسّم علماء النفس الحيل الدفاعية لمستويات مختلفة حسب نضجها وفاعليتها، فنجد الحيل الدفاعية البدائية هي أسهلها على الإطلاق، إذ تمنح شعورا وقتيا بالراحة، لكنها على المدى الطويل لا تسهم في تطوير الشخصية ولا تحقق التوازن النفسي.

وأشهر هذه الحيل الإنكار والانفصال عن الواقع، وهذه الطريقة يتجاهل بها العقل ما يسبب له الارتباك أو الضغط، وبسببها لا يستطيع إدراك نفسه أو من حوله بشكل حقيقي.

هناك أيضا أسلوب الإسقاط، وفيه يحاول العقل إسقاط المشاعر السلبية التي يشعر بها تجاه نفسه على الآخرين، فيتهم الشخص الذي يثير لديه مشاعر الغيرة مثلا بأنه يغار منه، أو يقلل من كفاءة زملاء العمل لتغطية شعوره بفشله المهني.

أما المستوى الناضج من الحيل الدفاعية، فيتمثل في أسلوب «التسامي»، أي تحويل الفعل أو الشعور غير المقبول لسلوك آخر مقبول، وأشهر تلك الأمثلة هو توجيه المراهقين لممارسة الرياضة والأنشطة التطوعية بدلا من المعاناة في السيطرة على الرغبات المتزايدة نتيجة اختلاف الهرمونات وبلوغها مرحلة النضج الوظيفي.

كما يلعب الإبداع والحس الساخر دوراً كبيراً في السيطرة على المشاعر السلبية، فالدعابة تخفف من حدّة الموقف، والإبداع يزيد القدرة على التجاوز والاحتمال.

ويعد أسلوب «التعويض» من أنضج الحيل الدفاعية وأكثرها تأثيرا في بناء الشخصية، ويبدأ بالتصالح مع فكرة أنه ما من إنسان يستطيع النجاح في كل مجالات الحياة بالدرجة نفسها، وأن لكل شخص ما يميزه مثلما له نقاط ضعف، فيبدأ في العمل على تطوير مواطن قوته والاستفادة منها، مما يمنحه الشعور بالثقة في النفس واحترام الذات، وبالتالي احترام الآخرين وتقدير مواطن تميزهم.

وقديما قالوا إن الشخص العظيم هو الذي يشعر كل من حوله في وجوده بأنهم عظماء.

د. رحاب إبراهيم

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking