اللبنانيون ينفقون لنهاية العام.. وكأنه آخر الأعياد!

بيروت ـــــ أنديرا مطر -

زحمة السير الخانقة على الطرقات، وفي الأسواق والمتاجر هذه الأيام، قد تبدو مشهداً لبنانياً مألوفاً، في ما لو كنا في زمن عادي. ولكن، هل عرف اللبنانيون، منذ نشأة هذا الكيان الصغير الذي يواظب على إنتاج الأزمات الكبرى بإيقاع مدهش، زمناً عادياً؟

هذا الحال أَلِفه اللبنانيون، وارتضوا به. ولعل تاريخهم المثقل بالنكبات حصّنهم بالمناعة اللازمة للمواجهة. غير أن العام المشارف على الأفول لم يبخل عليهم بالمحن.

موسم الأعياد هذا العام، يقبل عليه اللبنانيون، وكأنه آخر أعيادهم، أو «الفرصة الأخيرة». فقد تناسوا لأيام أن عداد إصابات «كورونا» يلامس ألفين يومياً، وأن سعر الدولار قفز إلى 8500 ليرة، كما تناسوا جبران باسيل وسعد الحريري ووحدة المعايير والثلث المعطّل. أغمضوا عيونهم للحظات عن انفجار بيروت بانتظار عدالة موعودة. وبعد 12 شهراً من الخمول والركود القسريَّين، استعادت الطرقات ازدحامها، وغصّت الأسواق بالرواد.

قبل أيام، انتشرت عبر مواقع التواصل، صور للازدحام أمام مجمع تجاري في بيروت، ما اضطر شركة الأمن، بالتنسيق مع إدارة المجمع، إلى إغلاق مداخله؛ بسبب عدم قدرته على استيعاب المزيد من الزائرين.  واستفّزت الصورة بعض المعلّقين، لا من الناحية الاقتصادية في بلد أصبح الحد الأدنى فيه 80 دولاراً، بل من الناحية الصحية، لأن المصطفين أمام «المول» لم يراعوا أدنى معايير السلامة. في أحد محالّ الألبسة في منطقة «ذوق مصبح» (شمال بيروت)، يخرج بعض الزبائن محملين بأكياس، وقد دفع كل منهم مبلغاً، يتجاوز مئات آلاف الليرات، رغم المحاججة والمفاصلة، حتى إن صاحب المحل استعان بزوجته وأولاده لمساعدته: «ظننت أنني لن أبيع قطعة واحدة هذه السنة، نظراً إلى ظروف الناس». ثم يتمتم، شاكراً الله على النعمة.

الأسواق الشعبية حالها حال المجمعات التي يرتادها المقتدرون، غصّت بالرواد. في محلة برج حمود، انتظرنا قرابة ربع ساعة في موقف للسيارات بانتظار ان نتمكّن من ركن سيارتنا. وخلال جولة في شارع أراكس الشعبي، سألنا صاحبة محل أحذية عن حركة البيع فقالت: «بعت هذه السنة أكثر من كل الأعوام السابقة».

الملابس والمأكولات والهدايا لمن استطاع. هي محور الاستقطاب. يبدو متجر «مولان دور» للحلويات خلية نحل لا تهدأ. «أعددنا كميات كبيرة من كعكة العيد لنوزعها على المحالّ والمطاعم، والطلبات في ازدياد»، يقول الموظف جو رزق، الذي يداوم في عمله حتى منتصف الليل.

سيدة لبنانية كانت تطلب قالب حلوى، اعترضت بداية على سعره، ثم أخرجت محفظتها، وهي تقول: «تحمّلنا ما يفوق طاقتنا، وكل يوم إضافي نعتبره هدية لنا».

هذا في علم النفس، أما في علم الاقتصاد فللأمر تفسيرات أخرى. فئة من اللبنانيين استطاعت أن تسحب جزءاً من ودائعها بالدولار، حين كان ذلك مسموحاً، وهي تنفق منه اليوم.

فئة أخرى تسحب من دولاراتها المحتجزة، على سعر 3900 ليرة، وتعتبر ان كل ما تحصل عليه من المصرف هو مكسب لها قبل إعلان القطاع إفلاسه.

هذا من دون أن ننسى ان معظم اللبنانيين يمضون الأعياد في بلدهم. فلا السفر متاح وممتع بوجود الجائحة، ولا الأموال متوافرة للسفر. كما أن العائلات اللبنانية في العموم لديها فرد أو أكثر خارج لبنان، ومن لم يستطع المجيء لقضاء الأعياد مع أهله فلا بد أنه «ذكّرهم» بعيدية بالعملة الصعبة.

ليس المغتربون وحدهم من تذكروا أهلهم. الأحزاب السياسية، والبلديات، والمنظمات والجمعيات نشطت هي الأخرى على خط توزيع الإعاشات على المناصرين، والعائلات المحتاجة.

زميلة إعلامية فوجئت بأحدهم يطرق بابها، حاملاً إليها «كرتونة حرزانة». وعندما سألته عن محتواها وعرفت أنها إعاشة من أحد الأحزاب، تمنّت عليه أن يحملها إلى عائلة فقيرة؛ ليجيبها: «البرغل والعدس طلع من عيون العالم».  اما «الحبشة» التي تزيّن موائد الطعام ليلة العيد، فأصبح سعر الكيلو منها مطهوة نحو 200 ألف ليرة. وعادة تزن 5 كيلو غرامات، أي إن الحبشة مطهوة أصبح سعرها مليون ليرة، في حين إن الحد الأدنى للأجور هو 650 ألف ليرة.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking