من النادر في هذا الوقت الصعب أن تجد إنساناً يجمع في نفسه عشق الماضي ورموزه مع القدرة على استشراف المستقبل واستحقاقاته، اتجاهان متعاكسان حملهما المغفور له بإذن الله ناصر صباح الأحمد في نفسه، حيث تملكه الشغف بتراث أمته، فبحث في صندوق التاريخ ليجمع منه أجمل نفائس كنوزه، تساعده في ذلك رفيقة دربه ليقدما للعالم أجمع واحداً من أجمل دور الآثار الإسلامية في العالم وموقعه الكويت.

لم يشغله التاريخ عن النظر إلى المستقبل، فاتجه برؤيته الطموحة إلى البحث عن مصادر دخل بديلة لوطن أنهكه الاعتماد الأحادي على مصدر واحد هو النفط، فبشر بمشروع طريق الحرير وقدم خطة إعمار الجزر للاقتصاديين والمختصين بشؤون التنمية وللإعلام ككل، هادفاً في الوقت نفسه إلى خلق فرص عمل وظيفية لآلاف من أبناء شعب غالبيته العظمى من الشباب.. وليفتح لهم وللوطن فرصاً اقتصادية واعدة.. فكر خلاق سبق الكثيرين من أبناء المنطقة الذين اتجهوا بعد ذلك إلى مشاريع إحياء الجزر والملاذات السياحية والثقافية.

لم يسعَ للسلطة والجاه وهو سليلهما، ولم يشترك في حفلات تقسيم كعكة الثراء، وهو الأقرب منها، بل حمل مشعل محاربة الفساد وكَشْف مواطنه، فكسب أكبر جاه وثروة تمثلت في محبة أبناء وطنه الذين رأوا فيه أمل الإصلاح.

طال النقاش معه كوزير للديوان الأميري وكوزيرة للتخطيط آنذاك حول مشروعه الذي أراده أن يجسد رؤية والده أميرنا الراحل (طيب الله ثراه) وليسترجع مكانة بلده التجارية.. تعثرت جهوده ولكن ذلك لم يفت من عزيمته ولم يقلل من حماسه، استمر النقاش معه حتى بعد أن ترك منصبه في الديوان زاهداً وكوزيرة للتربية والتعليم العالي، ولاحقاً حول مدى كفاءة النظام التعليمي بإمداد المشاريع المستقبلية التي يحلم بها بمتطلباتها من العناصر الوطنية الشابة المتعلمة.

هو من شغله همّ الوطن، وكان يرى العائق في النهوض ضعف الإدارة وانتشار الفساد.. فعزم على التصدي له من موقعه كوزير للدفاع، فاختار وقتها الدخول إلى عش الدبابير وحصد عداوة المفسدين، ولكنه كسب حب المخلصين من أبناء الشعب، ممن رأوا فيه داعماً قوياً ضد قوى الفساد المتأصلة.

لم يمهله القدر لاستكمال ما بدأه فغادرنا إلى دار الحق تاركاً وراءه إرثاً أكبر من كنوز التاريخ التي جمعها، يتمثل في حب الناس له وترحمهم الصادق عليه.

رحمك الله أبا عبدالله، فارقد بسلام، فمشعل الإصلاح الذي أوقدته سيظل مشتعلاً بأيدي المخلصين من أبناء الكويت، الذين عزموا على استكمال ما بدأته.. والله لهم معين.

خالص عزائنا لأسرتك الصغيرة أم عبدالله والأبناء ولآل الصباح الكرام ولأسرتك الكبيرة من أبناء الكويت، لك الرحمة ولهم الصبر والسلوان.

عتب المحبة

عتبي على منبر القبس الحُر الذي لم يتحمل وقع كلمة واحدة في مقالي الأسبوع الماضي، فبتر سطراً كاملاً، ليخل بتوازن المقالة ويضعف الرسالة التي عرضت فيها واقعاً ولم أصدر حُكماً.

أرجو ألا تتسع الثقوب مستقبلاً في سماء الحرية التي نعشق والجريدة التي نُجل.

د. موضي عبدالعزيز الحمود
[email protected]

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking