تركيا منفى «اختياري» لإيرانيين

أنديرا مطر -

على عادته اليومية، ارتدى «رضا» (اسم مستعار لرجل أعمال إيراني) معطفاً، يقيه البرد، وحذاءً رياضياً، وانطلق في جولة البحث عن شقق في إسطنبول. محطته في بارك ريزدانس، وهو مجمع سكني يقيم فيه الكثيرون من مواطنيه الإيرانيين، في منطقة كاديكوي السكنية الهادئة، في الجانب الآسيوي من إسطنبول.

«سيكون يومي طويلاً. أقوم بثلاث أو أربع جولات في اليوم»، يقول رضا، الذي يسعى مثل الكثيرين من الإيرانيين إلى شراء عقار بقيمة 250 ألف دولار، وهو المبلغ الذي يؤهله للحصول على الجنسية التركية.

ولأن تركيا من الدول القليلة في العالم التي تعفي الإيرانيين من التأشيرة، فقد أصبحت واحدة من وجهاتهم المفضلة، سواء بهدف السياحة أو الإقامة، بحسب تقرير مطول لصحيفة «لوموند» الفرنسية.

وسهّلت أنقرة على المواطنين الأجانب الحصول على جنسيتها، إثر الأزمة المالية في 2018 التي أدت الى ركود الاقتصاد التركي. وعمدت الى تخفيض عتبة الاستثمار العقاري من مليون إلى 250 ألف دولار.

وبنتيجة هذا الإجراء، أصبح الإيرانيون على رأس قائمة المشترين الأجانب على الأراضي التركية، يليهم العراقيون. ومن بين نحو 37 ألف عقار جرى بيعه منذ بداية 2020، استحوذ الإيرانيون على %18 منها، أي بزيادة %40 عن الفترة نفسها من العام الماضي.

ركود ضخم

«رضا» أمضى نصف حياته في الخارج، متنقّلاً بين المملكة المتحدة، وأستراليا، والصين. ولم يخطر في باله مطلقاً أنه سيسعى للحصول على جواز سفر آخر، ويغادر إيران. يقول (كمن يسخر من نفسه): «لطالما كنت قومياً متعصّباً. لكن الوضع في إيران أصبح لا يُطاق».

السبب الرئيس الذي دفعه للمغادرة ـــ على حد قوله ـــ هو الهواء: «في طهران، كما في أصغر المدن، لم يعد بإمكاننا التنفّس، نظراً إلى تلوث الهواء». وذلك بسبب رداءة البنزين المنتج في إيران، بعد العقوبات الأميركية التي تمنع بلاده من الاستيراد. «لكن بشكل عام، لم تعد السلطات قادرة على إدارة الدولة أيضاً. لهذا علينا الهرب»، يقول.

ووفقاً لمركز الإحصاء الإيراني، فقد بلغ معدل التضخم السنوي في نوفمبر الماضي %46. وانهارت العملة أمام العملات الأجنبية. وأصبح الدولار الواحد يساوي نحو 42 ألف ريال في السوق السوداء (منتصف الشهر الجاري)، أي ضعف ما كان عليه قبل عام. وبالتالي، أصبح تملّك عقار أو شقة، خاصة في طهران، متعذراً بالنسبة إلى جيل جديد من المجتمع.

يصوب رجل الأعمال الإيراني على الفساد «المتفشي للغاية» في إيران على أنه مشكلة فعلية، فأي عمل تجاري يتطلب دفع رشاوى للجميع، بدءاً من أسفل الهرم حتى أعلاه، لم يكن الوضع بهذا السوء، «كل الذين أعرفهم يعانون من الوضع الاقتصادي. وهذا يقلقني رغم أنني أعيش في مستوى جيد».

ليس رضا حالة منعزلة. فأثناء جولته التفقدية هذه كان برفقة رجل أعمال إيراني آخر، سبقه إلى تركيا، وحصل على الجنسية. وهذا أمر بغاية الأهمية بالنسبة لرضا، لأنه يسمح له بفتح حساب مصرفي، وكذلك بإطلاق عمله من هناك، بعد أن تم إغلاق حساباته في الصين قبل عامين.

آنذاك، أخبره مسؤولو المصرف بأن الإغلاق حصل بسبب رفض إيران تطبيق قواعد مجموعة العمل المالي (FATF)، وهي منظمة حكومية دولية تكافح غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

مجمع تركي

في منطقة بيليك دوزو على بعد أربعين كيلومتراً إلى الغرب من كاديكوي، تغطي اليافطات الفارسية واجهات المحال التجارية في أسفل مجمع AK السكني، وهو عبارة عن ستة أبراج تضم 1200 شقة يعيش فيها «ما لا يقل عن ستين عائلة إيرانية، من مستويات اجتماعية متدنية عن تلك الموجودة في أماكن أخرى في إسطنبول»، وفقاً لوكيل العقارات مهدي باشاي.

في هذه المنطقة، يشتري الإيرانيون شققاً بأقل من عتبة 250 ألف دولار اللازمة للحصول على الجنسية التركية، أو يستأجرون سكناً، فيصبح بمقدورهم الحصول على تصريح إقامة لمدة عام واحد، قابل للتجديد، من دون تصريح للعمل.

القيود الاجتماعية والحاجة إلى العمل

سهيل، شاب إيراني في الـ26 من عمره، يعمل في سينما الرسوم المتحركة، لحسابه كما لعملاء أجانب، الأمر الذي يستوجب حيازته حساباً مصرفياً خارج البلاد، لأن العقوبات الأميركية تحظر ربط المصارف الإيرانية بالشبكات العالمية. لهذا السبب انتقل إلى تركيا في 2018، حيث اشترى شقة صغيرة في بيليك دوزو بقيمة 60 ألف دولار. ويوضح: «بما أنني أملك حساباً مصرفياً، فأستطيع أن أتلقى عروض العمل، حتى من الولايات المتحدة». ويكشف عن سبب آخر دفعه إلى مغادرة طهران مع زوجته: «أكثر الأشياء بداهة مثل نزهة بين شبان وشابات تثير غضب السلطات باسم الشريعة».

يوضح عالم اجتماع إيراني أن الذين يخططون لمغادرة إيران ليسوا حصراً من الطبقات العليا والمتوسطة، فالأقل مرتبة يفكر أيضاً في الهجرة. وهذا مؤشر على فقدان الأمل من تحسّن الأوضاع، سواء على الصعيد الاقتصادي أو من حيث الحريات الاجتماعية والفردية والسياسية.

في إسطنبول، يقول العديد من الإيرانيين إنهم يستخدمون «الحوالة». بعض الإيرانيين أدخلوا الأموال معهم مباشرة في المطار، على الرغم من القانون الساري منذ 2018 الذي يحظر على المسافرين مغادرة البلاد بأكثر من 5 آلاف دولار لمنع هروب الأموال.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking