سرّني القرار الإداري الذي اتخذته وزارة الداخلية القاضي بوجوب إعادة المبعوث الدبلوماسي الكويتي من قضى فترة خمس سنوات متواصلة في العمل بالخارج إلى البلاد، ليقضي فترة عمل مثيلة لها بإدارات وزارة الخارجية؛ ليكسب بذلك الخبرة في ما يجري بوزارته.

حقا، إنه قرار صائب وفيه فوائد كثيرة؛ إذ إنه يوثق الصلة بين المبعوث في الخارج والأهل والأصدقاء، وكذلك يخلق إمكانية التعرف على زملائه الجدد العاملين بالوزارة، بالإضافة إلى ذلك إتاحة الفرصة للدبلوماسي بعد فترة خمس سنوات طوال في الخارج المعرفة بكل التطورات التي طرأت في البلاد ومعرفة داخل الوزارة وبجميع المسؤولين في الوزارات الأخرى التي لا بد أنه بحاجة إلى التعاون معها.

لقد أنهى هذا القرار الحكيم ما كان عليه الحال في السابق؛ إذ كان المبعوث الدبلوماسي يقضي معظم فترة عمله خارج البلاد، ما ولّد في نفسه عدم الالمام الكامل بكل ما في البلاد من أحداث وتطورات، وكما أنه فقد معرفة الوجوه الإدارية التي تتولى تسيير مؤسسات الدولة خلال فترة وجوده في الخارج، كما أن هذا المبعوث الذي يقضي فترة طويلة كان بعضهم قضوا فترة أربعين سنة في الخارج، وحينما يعود الدبلوماسي الكويتي إلى الكويت بعد هذه الرحلة الطويلة يجد نفسه غريباً في بلده؛ إذ إنه يجهل كثيراً من الجهات الرسمية أو الإدارية التي قد يحتاجها في تدبير حياته اليومية.

ومن الحكايات الظريفة التي طرأت لي بعد عودتي إلى الكويت بعد رحلة عملي الدبلوماسي، التي طالت فترة من الزمن، أحالني طبيب المستوصف الذي أتعالج فيه في منطقتنا إلى طبيب العظام في مستشفى «الرازي»، ذكر لي موظف الاستقبال الذي يختم عادة التحويل بأن المستشفى يقع في رحاب مستشفى.

وأنا عند بوابة مستشفى الصباح الكبير وجدت أحد الحراس سألته عن مستشفى الرازي، هزّ رأسه على الطريقة الهندية، مستغرباً سؤالي قائلاً: «بابا انت مو كويتي؟! كيف أنت ما يعرف مستشفى الرازي؟!! انت بابا يبي يسوي قرقر مع السلامة!»، ثم تركني إلى شأنه.

عن بعد لمحت سيارة رياضية فارهة تقف على جانب الطريق، وجدت بداخلها شابّاً سألته السؤال نفسه، فضحك عليّ، ثم قال: «انت عمي شكلك كويتي، هل من المعقول ما تعرف وين مستشفى الرازي؟! ولا شفتنا شباب حبيت تضحك علينا وتطنز؟».. (أي تستهزئ بنا)، ثم قال بلهجة الشباب: «روح عمي، الله يسهّل عليك»، وسار بحاله كما يقول الأخوة المغاربة.

وأنا أطوف بأرجاء حدائق مستشفى الصباح وجدت مجموعة من العاملين بالزراعة وقفت بجانبهم، وبعد أن أديت لهم التحية سألت رئيسهم، وهو مهندس زراعي من الأخوة الشباب (المصريين)، عن مكان مستشفى الرازي، بعد أن قدّمت له ورقة التحويل الذي صدرت لي من المستوصف.

بُهت الرجل، وقال: «حقّاً عمي، لا تعرف أين مستشفى الرازي؟!». قلت: «والله لا أعرف، وهذه اول مرة أزور فيه هذا المستشفى العامر». وحينما تأكد من صدق ما أقول دار بوجهه نحو اليمين، وهو يشير بأصابع يده إلى بوابة تحتشد أمامها سيارات والناس وكراسي نقل المعاقين، قال لي: «ذلك هو مستشفى الرازي»، شكرت الرجل على كرمه، ودعوت له بالصحة والسلامة وألا يطول اغترابه عن بلده، كي لا يواجه ما أواجهه أنا الآن. وهذا حال كل مغترب، سواء كان دبلوماسيا أو شخصا عاديا.

محمد سالم البلهان*

* سفير سابق


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking