عندما يأتي المساء، ونتذكر من حقت له الذكرى في يوم لا نجد فيه قمرَهُ إلا قمر السماء، فقد توارى عن حياتنا كما لو كنا دونه لا شيء، نهاتف أياماً لنا فيها السلوة والعبرة، نتصفح الماضي بكل أيامه ولحظاته.. صوته، وقع نعله، عيونه الراقبة لنا، حتى طعامه الذي هو آكله، وشرابه في كأسه الحسرة.

مذ كنا صغاراً، في كل فكرة، ولفتة هامسة، نتذكر ونتذكر، وتغيب أعيننا في دمعها تترى، هي الدنيا تصبح وتمسي بنا، ولنا فيها كل عِبرة، لا صارف، ولا قادم، ولا رائح، الكل ركب فكره، الكل تأمل كيف أصبحنا خلائق، واليوم لكل منا حفرة. نعيش بأصوات نناديها بأسمائها، وتنادينا بأسمائنا، فغدت تحت التُربِ كالبذرة.

قلوبنا تفطَّرت حزناً، كمداً، تصاحب الأيام سراعاً، تجاملها أنساً، وكأنما كتبت أيامها على صخرة صماء، صلدة، أبداً تمحو الأسماء والألقاب، تحيلها فتاتاً على صفحة صخرة، فهي محض صخرة! وفي غياهب الترب تذوب الأجساد برسومها، بقسمات وجوه كنا نناظرها في مرآة الزمن ونُجَملُها، فغدت هلامية، إنها الغرابة كلها، والمحال الذي لا نفقه كنهه.

أمهات، آباء، جدات، أجداد، خالات، أخوال، عمات، أعمام، أخوات، اخوان، حموات، أحماء، أزواج، زوجات.. ليتهم معنا ما عشنا وعاشوا، والكل في عصره.. تلك إرادة الرحمٰن الكل قد كتب حياته وعمره، في حياة دنيوية زائلة، وأخروية دائمة.

السعادة أبوابها مفتحة، يلجها قلب كل أحد، لكن الحزن له أيامه التي تمر وكأنها تسلب كل الفرح.. تلك أحوالنا في تقلب الأيام، وقسوة بعضها، لا ننفك نرجو السعادة في دوامها وكأنها الحلم الجميل الذي لا نود أن نفيق منه أبداً وقد حُزناه.

يا حزن قلب فارقته السعادة ولو لحظة! ويا فرحة قلب غشته السعادة ولو لحظة! فالعبرة في الشعور كيف صار، وفي صِدْقِهِ كيف أضحى حقيقة نتلمسها غاية، ونقصدها نهاية. فخطوط الزمن تبدو قريبة من متشائم لاهث وراء سرابٍ لا محالة زائل، ففكره يغلفه الحزن، ويصطليه بنار البؤس تارة، وبنار اليأس تارة أخرى، وكأنه في مركب اخترق أسفله وعلاه الموج، لكنه الأمل نلمحه، يغدو من بعيد لتزهو به الحياة من جديد.

يا من ترجو الحبور، وترقب فرح الليالي، اعلم بأن الحبور في كل ما أنت فيه من نعمة وسرحة، واتصال إنساني حاصل اللحظة، فكن فيها سعيداً، واجعل الحياة سعادة متحققة وإن خالطها الحزن.

د. سعود محمد العصفور

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking